على أعتاب الدلتا الشرقية حيث يلتقي النيل بالتاريخ تقف محافظة الشرقية شامخة كأنها تحرس ذاكرة مصر كلها. فهي ليست مجرد محافظة بل هي البوابة التي عبر منها الأنبياء والجيوش والحضارات والقلب الذي ما توقف يوما عن النبض بالخير والبطولات .
سُميت بالشرقية بهذا الإسم لأنها كانت تقع في الجهة الشرقية من الوجه البحري، ومنذ عام 1179 ميلاديًا وهي تحمل هذا الاسم العريق، من إقليم الشرقية إلى ولاية ثم مديرية في العهد العثماني.
كانت الشرقية عاصمة مصر القديمة. في صان الحجر / تانيس بمركز الحسينية الملك رمسيس الثاني شيد معابده الكبرى التي ضمت أكثر من 20 مسلة تحمل اسمه وفي تل بسطة بالزقازيق مرت العائلة المقدسة وما زالت المنطقة شاهدة على هذا المسار المقدس. أما في بلبيس يقف مسجد سادات قريش أول مساجد في مصر وأفريقيا ليحكي قصة دخول الإسلام من هذه البوابة.
وتزهو المحافظة وحدها دون محافظات الوجه البحري بانتشار 120 موقعًا أثريًا بين ربوعها، من تل فرعون وتل الضبعة إلى صفط الحنا.
الشرقية لا تعرف الانحناء.فهي أرض الأبطال تحتفل بعيدها القومي في التاسع من سبتمبر كل عام، إحياءً لذكرى وقفة ابنها البار الزعيم أحمد عرابي ابن قرية هرية رزنة حين طالب بالحرية وحقوق الشعب.
وهي ثالث أكبر محافظات مصر سكانًا بنسبة 7.4% من سكان الجمهورية، 62% منهم يعيشون في الريف الأصيل، ريف يخرج العلماء والفلاحين والجنود بنفس الكبرياء والعظمة.
إذا كان علم الشرقية يحمل حصانًا عربيًا، فهذا ليس من فراغ. فهي تنتج مرابط طحا المرج وجزيرة سعود وبني جري وأنشاص أكثر من 80% من الخيول العربية الأصيلة في مصر، ويُقام لها مهرجان عالمي كل سبتمبر تشارك فيه دول العالم ومنظمة الواهو العالمية للحصان العربي.
وهي أيضًا سلة غذاء مصر، أرض القمح والقطن والخضروات، حيث نشأت مدينة الزقازيق عاصمة المحافظة عام 1832 بفرمان جعلها بديلًا لبلبيس بعد بناء قناطر التسعة، لتصبح اليوم مركزًا يجمع بين عراقة الفلاحة وحداثة العاشر من رمضان قلعة الصناعة المصرية.
الشرقية هي مصر مصغرة: مسجد وكنيسة ومعبد في شارع واحد، فلاح يزرع القمح صباحًا وعامل يبني المصنع مساءً، وخيول تصهل للحرية كما صهل الزعيم عرابي يومًا.
من عبر بوابتها الشرقية دخل قلب مصر ومن عرف قلبها النابض عرف لماذا تبقى الشرقية دائمًا… البداية والحكاية.