عبدالرحيم عبدالباري
لم تعد مواجهة الدرن والأمراض التنفسية قضية تتوقف عند حدود دولة بعينها، فالأمراض التي تعبر الحدود تحتاج إلى خبرات تتشاركها الدول، وقيادات قادرة على نقل المعرفة إلى أنظمتها الصحية، وفي هذا السياق تتحول مصر إلى منصة تدريب إقليمية تستقبل كوادر صحية من دول القارة الأفريقية، في برنامج يستهدف بناء جيل جديد من القيادات القادرة على إدارة معركة مكافحة الدرن والأمراض التنفسية داخل بلدانها.

وتنظم وزارة الصحة والسكان برنامجًا تدريبيًا إقليميًا متخصصًا تحت عنوان «مكافحة الدرن ومرض كوفيد-19 والالتهابات التنفسية الأخرى للدول الأفريقية»، تحت رعاية الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، وبالتعاون مع الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا» والوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية التابعة لوزارة الخارجية، في نموذج للتعاون الثلاثي يجمع الخبرة المصرية والدعم الياباني والامتداد الأفريقي، بهدف بناء قدرات صحية تتجاوز حدود التدريب النظري إلى التطبيق العملي وصناعة كوادر قادرة على قيادة برامج المكافحة في دولها.
وأكد الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، أن البرنامج يستهدف تطوير قدرات القيادات والكوادر الصحية المتوسطة والعليا في الدول الأفريقية، بما يساعدها على الحد من انتشار الأمراض التنفسية، ودعم الجهود الرامية إلى القضاء على وباء الدرن بما يتوافق مع استراتيجية منظمة الصحة العالمية، إلى جانب تعزيز مسار التغطية الصحية الشاملة، وهو ما يمنح البرنامج أهمية تتجاوز فكرة نقل المعلومات الطبية إلى بناء قدرات مؤسسية يمكن أن تستمر آثارها بعد عودة المتدربين إلى بلدانهم.

ومنذ انطلاق البرنامج عام 2022، شهدت التجربة توسعًا تدريجيًا في نطاقها، حيث وصل إجمالي المشاركين إلى 77 متدربًا من 28 دولة أفريقية، وجاءت موزامبيق في مقدمة الدول من حيث المشاركة، تلتها غانا وتشاد، بينما تستضيف الدورة الحالية، التي تُعقد خلال الفترة من 27 سبتمبر وحتى 22 أكتوبر 2026، 20 متدربًا يمثلون 12 دولة أفريقية، بما يعكس اتساع نطاق الدور التدريبي الذي تضطلع به مصر في دعم القدرات الصحية داخل القارة.
ولا يقتصر البرنامج على تقديم معلومات عامة حول الدرن، وإنما يستند إلى محتوى علمي وعملي يستهدف احتياجات البرامج الوطنية لمكافحة المرض، حيث أوضحت الدكتورة هبة ترك، مدير عام الإدارة العامة لشؤون المستشفيات، أن البرنامج الوطني لمكافحة الدرن في مصر يتيح للمشاركين معارف وتقنيات تساعدهم على المساهمة بصورة أكثر فاعلية في خطط القضاء على المرض داخل دولهم، بما يسهم في إعداد قيادات مستقبلية تمتلك القدرة على إدارة برامج المكافحة بكفاءة، وربط المعرفة العلمية بالتطبيق داخل الأنظمة الصحية.
ويقدم البرنامج، وفقًا للدكتور وجدي أمين، مدير عام إدارة الأمراض الصدرية، تدريبًا على أحدث المحاور العلمية والتشخيصية، بداية من البروتوكولات العلاجية والتشخيصية للدرن الحساس والمقاوم للأدوية، مرورًا بالتعامل مع الحالات الخاصة، ومنها الأطفال واللاجئون وحالات العدوى المشتركة مع فيروس نقص المناعة، وصولًا إلى إعداد الخطط الاستراتيجية الوطنية وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تنظيم زيارات ميدانية لمراكز مصرية مرجعية متخصصة، بما يمنح المشاركين فرصة للاطلاع على الخبرات المصرية في التعامل مع المرض داخل بيئة عمل حقيقية.
واللافت في التجربة أن التدريب لا ينتهي بانتهاء المحاضرات أو مغادرة المشاركين للقاهرة، إذ تتضمن آليات البرنامج متابعة تنفيذ خطط العمل الوطنية التي يلتزم المتدربون بإعدادها بعد عودتهم إلى بلدانهم، مع التنسيق مع «جايكا» لإجراء تقييمات ميدانية لاحقة، بما يضع مفهوم الاستدامة في قلب التجربة، ويحول التدريب من نشاط مؤقت إلى مسار يمكن قياس أثره على أرض الواقع، بينما شهدت افتتاحية البرنامج مشاركة ممثلين عن منظمة الصحة العالمية والوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية والوكالة اليابانية للتعاون الدولي.
وتحمل التجربة في جانبها الأوسع رسالة صحية ودبلوماسية في الوقت نفسه، فمصر لا تقدم للأشقاء الأفارقة تدريبًا طبيًا فحسب، وإنما تفتح مساحة لتبادل الخبرات وبناء القدرات وتعزيز التعاون الصحي بين دول القارة، مستندة إلى خبراتها المتراكمة في برامج مكافحة الدرن والأمراض الصدرية، فيما يمثل التعاون مع اليابان والوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية نموذجًا للتعاون بين دول الجنوب، وتوظيف الخبرة الصحية كإحدى أدوات بناء شراكات أفريقية أكثر استدامة.
وفي معركة الأمراض التنفسية، تصبح قوة أي نظام صحي مرتبطة بقدرته على اكتشاف المرض وتشخيصه وعلاجه، والأهم بامتلاكه كوادر تعرف كيف تقود هذه المنظومة، ومن هنا تأتي أهمية التجربة المصرية، التي تضع التدريب وبناء الإنسان الصحي في مقدمة أدوات مكافحة الدرن، وتمنح القاهرة دورًا يتجاوز تقديم الخدمة إلى نقل المعرفة، لتصبح الخبرة المصرية جسرًا يصل إلى أنظمة صحية أفريقية تحتاج إلى المزيد من القدرات والخبرات في مواجهة أمراض لا تعترف بالحدود.