من «سيادة الجباية» إلى «دبلوماسية المصطبة».. ترامب يدير الإمبراطورية من على هاتفه
ما كشفته القنوات الإخبارية والصحف الأمريكية وغيرها عن لسان مسؤول البيت الأبيض ليس تسريباً، بل هو شهادة انتحار سياسي موثقة. من يعلن أنه مرتاح لترك الانهيار الحتمي يأخذ مجراه في إيران، ثم يعلن في نفس اللحظة أن مضيق هرمز مفتوح وتزال منه الألغام وتُمرر فيه عشرات الملايين من البراميل، هو لا يدير دولة.. هو يدير «مصطبة وهم».
نحن انتقلنا رسمياً من «سيادة الجباية» التي شخصتها يلين – أي تحويل الحلفاء إلى فواتير – إلى ما أسميه «دبلوماسية المصطبة». في الدبلوماسية العريقة، الرئيس يتحدث عندما يتكلم التاريخ. وزعماء الرصانة حول العالم لاسيما منابر السلام في عواصم العرب «مهندسو التوازن» يتحدثون كل عدة أشهر فيُسمع لهم بهيبة ووقار، وفي المناسبات السيادية. أما ترامب فقد حول البيت الأبيض من «مؤسسة السيادة» إلى «مصطبة عصابة».
رجل جالس على مصطبة في حارة سد.. كلما مر أحد حدفه بحجر من هاتفه: في الصباح يضع لوس أنجلوس وسان دييغو في «بورصة الأضرار الجانبية» ويعرض 4 ملايين مواطن كـ «ضريبة دم انتخابي»، وفي الظهيرة يهدد بمحو خارك وآبار النفط، وفي العصر يفتح «كرتونة البعابع» ويهاجم ديناً لملياري مسلم، وفي الليل يعلن أنه طهر هرمز وكل هذا وهو نائم في غرفة نومه. هذه ليست سياسة.. هذا ما أسميه «متلازمة المُغرد المزمن» و «العبث الترامبي المتصل». رئيس يدير إمبراطورية نووية من على تطبيق Truth Social، ويظن أن إزالة لغم بحري تتم بضغطة زر Like.
تهديدات «المصطبة الترامبية» وإستئناف المغامرة العسكرية ضد إيران
وما كشفه موقع «أكسيوس» عن تعليمات البنتاجون للقيادة المركزية بإنهاء الاستعدادات لاستئناف العدوان على منشآت الطاقة والبنية التحتية والنوويةالإيرانية، ليس تسريباً عسكرياً.. بل هو «إعلان نوايا من على المصطبة الترامبية».
ترامب يدير التهديد بالحرب كما يدير تهديد مدنه.. ببوست. لكن إيران التي تقرأ «غباء مجالس المصطبة» جيداً، لا تبتلع الطُعم. وهنا مربط الفرس الذي يتساءل عنه الكثير: «إيران لا تنتظر الهجوم لأنها ضعيفة.. بل لأنها تريد أن يكون الهجوم هو وقود شرعيتها. هي لا تريد أن تبدأ الحرب.. هي تريد أن تبدأ المظلومية».
طهران تمارس ما أسميه «عقيدة الانتظار المسلح» و «هندسة المظلومية الاستراتيجية».
فهي تعلم أن من يضرب أولاً يخسر الرواية في مجلس الأمن وامام الرأي العام العالمي. لو نفذت ضربة استباقية الآن، ستتحول من ضحية حصار إلى معتدٍ أغلق هرمز، وستمنح «مصطبة البيت الأبيض» صك البراءة. أما لو انتُظرت حتى تُضرب منشآتها، فسيتحول ردها – حتى لو أغرق ناقلة في هرمز – إلى «دفاع مشروع عن النفس» بنص المادة 51، وإلى «صك الضحية» الذي تريده.
على مستوى الداخل، هي تمارس «هندسة التوحد بالضربة».. النظام يعلم أن الضربة الاستباقية تحتاج إجماعاً داخلياً ممزقاً، بينما الضربة الأمريكية هي التي ستوحد الشارع الإيراني خلفه في خمس دقائق. هي تنتظر العدو ليوحد لها شعبها.
وعلى مستوى الردع، هي تدير «بورصة التهديد» باحتراف.. فـ «السلاح الذي لم يُضرب أخطر من الذي ضُرب». طول ما «كرتونة هرمز» وترسانة الصواريخ لم تُفتح، فسعرها في بورصة الرعب عالٍ. لحظة استخدامها سينكشف حجمها الحقيقي. لذلك إيران تفهم أن تهديدات«المصطبة الترامبية» هي «مقامرة انتخابية بوقود العالم»، وهي تستثمر غباءها.. تتركه يهدد من على هاتفه، لتجمع هي الشرعية الأممية للرد. من يبيع لوس أنجلوس كـ «ضريبة دم انتخابي»، لن يتورع عن بيع مضيق هرمز كـ «بورصة دم دولي».
«قرصنة الرؤساء»
تكشف زيف أسطوانة حقوق الإنسان الأمريكية
خطف رئيس دولة من قلب قصره بأسلوب مافياوي عصابي هو عار قانوني وأخلاقي على جبين ما يسمى بـ «دول العظمى» و «دول الفيتو»، وصمت تلك الدول وعلى رأسها الصين حتى الآن عن جريمة اختطاف رئيس دولة ذات سيادة يفتح الباب رسميا لعصر «قرصنة الرؤساء» وخطف أي رئيس لا يروق لواشنطن مستقبلا. أما عن أسطوانة «حقوق الإنسان» التي تلوكها أمريكا، فعن أي حقوق يتحدثون؟ هل يضحكون على العالم أم يضحكون على أنفسهم وهم يجلسون على «المصطبة المافياوية» يديرون العالم بعقلية العصابات؟ من انتهك الإنسانية بملفات «إبستين» وفضائح الطفولة التي تم انتهاك إنسانيتهم بوحشية في الظلام، وهندس «الإبادة» و «التجويع الممنهج» في غزة، لا يحق لهم أن ينصبوا أنفسهم قضاة للإنسانية، من يمارس «إرهاب الدولة» لا يمكن أن يحاكم الآخرين باسم «حقوق الإنسان».
إدانة مصر لـ«العبث الحوثي» .. رسالة محور كامل
إدانة مصر «بأشد العبارات» للهجوم على مطاري «أبها» و«الملك خالد» ليست مجرد اتصال بروتوكولي بين وزيرين، بل هي رسالة محور كامل يرد من القاهرة إلى الرياض، محور «الثالوث العربي» الذي يرفض أن تتحول سماء المملكة إلى «مصطبة نتنياهو وترامب» جديدة لإطلاق التصريحات والمسيّرات الإيرانية. فبعد أن فشلت «قرصنة الرؤساء» في إسكات صوت السيادة، انتقل العبث إلى «قرصنة المطارات» واستهداف روضة أطفال ومطار مدني، وهو نفس منطق «المصطبة المافياوية» التي تدير الإرهاب بالوكالة. مصر تقولها بوضوح.. أمن الرياض هو أمن القاهرة، وأي صاروخ حوثي يعبر باب المندب هو اعتداء على قناة السويس والبحر الأحمر كله، ومن يزرع «العبث الحوثي» في سماء السعودية سيحصد الرد من محور كامل لن يسمح بزعزعة استقرار المنطقة.
من «مصطبة الهاتف الترامبي» إلى «العبث الحوثي» .. حين تحترق ورقة التعاطف
إن ما يفعله ترامب بإدارة أمريكا من فوق «مصطبة الهاتف» بتصريحات يومية متناقضة، هو نفسه منطق «العبث الحوثي» الذي يدير الحرب من كهوف صعدة بـ«ريموت إيراني»، الاثنان يظنان أن العالم يُدار بـ«بوست» أو «صاروخ»، لكن الحوثي أخطأ هذه المرة اتجاه التصويب وبوصلة الصواريخ، فصواريخه لم تعد تتجه إلى تل أبيب كما كان يدعي، بل سقطت على روضة أطفال في الرياض وعلى مطار مدني يضم مصلين ومعتمرين، وهنا انتهت اللعبة. الحوثيون لم يلتفتوا لكل التحذيرات الحقيقية، وتجاهلوا أنهم الآن لا يتحدون المملكة وحدها، بل يتحدون «ملياري مسلم» يرون في أمن الحرمين أمنهم الشخصي، وخاصة الشعوب العربية التي منحتهم تعاطفاً استثنائياً في حرب غزة. ذلك التعاطف الذي بنوه على مدى عامين احترق اليوم وأصبح «رماداً» بتصرفاتهم العبثية ضد المملكة العربية السعودية، وعزلتهم باتت وشيكة، ومن يحرق ورقة التعاطف بيديه لا يلومن إلا نفسه حين يجد نفسه وحيداً في مواجهة محور «الثالوث العربي» والعالم الإسلامي كله.