عندما كنت أتأمل في قول رسولنا العظيم ﷺ حين قال “إن قامتِ السَّاعةُ ، وفي يد أحدِكم فسيلةٌ ، فإن استطاعَ أن لا تقوم حتَّى يغرِسَها فليغرِسْها” فتذكرت أنى منذ أكثر من عشرة أعوام ، ذهبت إلى وزارة الزراعة لأسأل عن معلومات عن حيوان النعام، فظننت أنى عندما أقابل أوّل موظف هناك سيدلني عما أسأل عنه ، ولكن كان ذلك الظن مجرّد سرابا ، وحلما من أحلام اليقظة ! لأنني عندما سألت ذلك الموظف عن سؤالي .. فاجأني ، وذكر لي مكانا محددا في قلب الوزارة ، وفى طريقي لذلك المكان .. وجدت قسما خاصا لكل كائن من مخلوقات الخالق ،فعلى سيبل المثال ، وجدت قسما خاصا بالحشرات ، وآخر للنحل ، وآخر للعقارب ، وآخر للحيوان ، وآخر للطيور ، بل وجدت قسما خاصا للخضروات ، وآخر للفواكه ، وآخر للألبان ! والأذكى من ذلك بأنني وجدت داخل كل قسم من تلك الأقسام أفرع أخرى ! وكأن هذه الوزارة قد احتضنت بين طوابقها جميع تلك الكائنات ، والنباتات المختلفة ! أو قل هي نموذجا مصغّرا لما في الكون الذى خلقه الله بيده !
فقلت في نفسى : سبحان الله ! فسألت نفسى : يا ترى ما حال تلك المخلوقات حين تقوم الساعة ؟ فطرأ في رأسي قول رب العالمين يقول “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم” أي أن جميع هذه المخلوقات مثل الإنسان تماما بتمام “تأكل ، وتشرب ، وتخاف ، وتفرح ، وفيها الذكر ، والأنثى ، ولكل نوع منهم حياته الخاصة به ، وطبيعته التي وضعها الله فيه ، ومن خلال ذلك إذن سيحدث لهم الخوف ، والذعر من ذلك اليوم
كالإنسان تماما ، فذلكم هو الطبيعي ، والمنطق ، والعقل ، ولكن الفرق بينهم ، وبين الإنسان ، هو أن الإنسان مخلوق متحضر ، لأنه هو المخلوق الوحيد الذى تسلم من ربه راية الدين ، وأمانة الإسلام الراقية ، وقبلها ولم يتردد .. أما جميع المخلوقات ، فقد اعتذروا عن استلام شعلة التحضر ،ورقىّ الإسلام من خالقهم ، وربهم .. يقول الخالق “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَان “ولذا جعل الله للإنسان مزايا كثيرة عنهم ، فعلى سبيل المثال لا الحصر ، فقد خلقه في أحسن خلقه ، يقول تعالى ” لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تقويم”
كما أن الله قد كرّمه ، وفضّله ، وذلك بالرقىّ العلمي ، والإبداع الفكري ، والعقلي .. يقول تعالى “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا”
ويمكن أن نستخلص مما سبق ، أن تلك الكائنات لهم دورهم الحياتية وسجاياهم الخاصة بهم ، والتي وضعها الله فيهم ، فهذه واحدة ، أما الثانية ، فإن الخالق سيحشرهم في يوم القيامة كالإنسان تماما ، ولذا يقول الله تعالى عنهم “ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون” كما أن تلك الحيوانات المفترسة ستحشر أيضا ،وستشعر هي أيضا بالخوف ، والذعر ، يقول أيضا “وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَت”
أما الثالثة يتجلّى واضحا علما آخر في ذلكم الحديث الذى نحن بصدده ،
لرسولنا العظيم ﷺ ألا هو “علم الأحياء” ومن هنا تتجلّى مكانة الرسول ﷺ كشخصية عالمية فريدة ، لم يسبق لها نظير على الإطلاق .. نعم إن الحديث عن الرسول ﷺ يثلج الصدور ، ويشرح القلوب ، ويصقل العقول ، ويهذب الأخلاق ، والسلوك فما أعظمه من رسول عالمي راق ..