بقم: أمير فيصل فرج أمين عام حزب الغد في سوهاج
حين تضيق الأسواق وتتشابك الجبهات حول الحدود، يصبح الإصرار على فتح قاعة للحوار قراراً سياسياً بامتياز، لا مجرد حدث في أروقة المؤتمرات، وهذا ما يمنح منتدى مصر 2026 قيمته وتؤكد بأنه ينعقد في وقت يغري فيه الارتباك بالانغلاق.
الاقتصاد المصري لا يعمل في فراغ، حيث يواجه موجات التضخم العالمية، وتقلب أسعار الطاقة والغذاء، وضغوط سعر الصرف التي أثقلت كاهل الدولة والأسرة معاً بعد سنوات من الحروب سبقتها جائحة كورونا، وليس في وسع أي خطاب أن يتجاهل ذلك، واللافت في رؤية القيادة السياسية أنها لا تقدّم الصعوبات بوصفها قدراً محتوماً، بل بوصفها سياقاً يستلزم إعادة ترتيب الأولويات من خلال بنية تحتية تخفّض كلفة الإنتاج في السنوات المقبلة، وصناعة تتسع قاعدتها وتتجه إلى التصدير، واستثمار يُوجَّه إلى قطاعات تخلق وظائف حقيقية وحين يُدعى الشباب إلى منصة بهذا الوزن، فرسالة الثيادة السياسية تؤكد أن الإصلاح الاقتصادي لا يُراد له أن يمرّ من فوق رؤوسهم، بل أن يمرّ بهم.
وللجغرافيا حصّتها من هذه المعادلة، غزة على الخاصرة الشرقية، والسودان وليبيا جنوباً وغرباً، وممرات بحرية مضطربة تمسّ إيراد قناة السويس مباشرة، وفي جوار كهذا تتحول الدولة المستقرة إلى سلعة نادرة، ويصبح تماسك المؤسسات إنجازاً يسبق أي إنجاز آخر، والمنتدى يؤكد القاهرة ما زالت تخطط للغد، ويقول للداخل إن الغد ليس مؤجلاً إلى أن تهدأ المنطقة.
وفي القراءة الأعمق، تتكشف فلسفة ربط الأمن بالتنمية ربطاً لا ينفصم، فالدولة التي واجهت كلفة الفراغ في محيطها تعرف أن الاستقرار لا يُحفظ بالقوة الصلبة وحدها، وأن شاباً بلا أفق أكثر ما يقلق أي عقل أمني متمرس، ومن هنا تبدو دعوة الجيل الجديد إلى طاولة النقاش استثماراً في الأمن واستثمار في الاقتصاد واستثمارا في المستقبل.
أما الشباب، فالخطأ الشائع أن يُعاملوا ككتلة واحدة فهناك شاب يريد عملاً وزواجاً لا يؤجله عقد كامل من الادخار، وآخر يبني شركة ناشئة في الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا المالية، ويحتاج إلى تشريع مرن وتمويل لا يشترط ضمانات من زمن مضى، وطالبة في الصعيد تسأل عن جامعة تمنحها شهادة يعترف بها سوق العمل، وفريق رابع يرى في السفر فرصة ويريد أن تكون العودة لأحضان الوطن خياراً مغرياً، وهذه الأهداف لا تتناغم دائماً، وبعضها يصطدم بحسابات الموازنة وحدود الممكن، لكنها تدور جميعاً حول محور واحد هو الثقة بأن الجهد يُكافأ، وأن الكفاءة تعبر الطريق دون وسيط.
وحين يتحدث هؤلاء عن مستقبل الوطن، لا يطلبون وعوداً إضافية، وإنما يطلبون آليات ويريدون أن يروا كيف تتحول التوصيات إلى برامج، وكيف يُقاس أثرها، ومن يُسأل عنها بعد عام، وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للمنتدى وقيمته معاً، فالمنصة التي تُصغي ثم تنفّذ تصنع مواطناً شريكاً، والتي تُصغي ثم تنسى تصنع إنهاكاً من المشاركة، وإدراك القيادة لهذا الفارق هو ما يجعل الرهان قابلاً للنجاح، لأن الشباب المصري، بخلاف ما يُظنّ، لا يملّ من الحوار ولا يمل من المحاولة حتى النجاح.
ما يستحق التقدير في هذه التجربة أنها تعترف ضمناً بأن الدولة التي تريد عبور مرحلة صعبة تحتاج جيلاً يؤمن بالعبور، وأن هذا الإيمان يُبنى بالإشراك، وربما تتأخر بعض الثمار، وقد تظل هناك فجوات بين الطموح والإمكان، لكن الطريق الذي يبدأ بالحوار دائما ما يفضي إلى النجاح الواعد وهو ما اختارته القيادة السياسية لمؤمنة بشبابها.