بالنظر للتغيرات المناخية بسبب النشاط الصناعي والزراعي وتدمير الغابات وغيرها والتي يقوم بها البشر دون ضوابط، كثيراً ما تحدث أمور لم نعرفها من قبل وخاصة المتعلقة بظهور أمراض فيروسية جديدة، بسبب إنتقال عوائل من الغابات إلي المناطق المأهولة بالسكان، ما يترتب عليه حدوث طفرات جينية في بعض الأنواع من الفيروسات ما يجعلها قادرة على إصابة عوائل جديدة قد تنقلها للبشر.
كشف علماء في الصين فيروسا غير معروف سابقاً وينتقل عن طريق القراد، ذلك ما يفسر آلاف الحالات المرضية التي كانت غامضة في السابق وتتشابه أعراضها مع أعراض الانفلونزا، والتي تتمثل في الحمي والارهاق وأعراضا هضمية، وكان فريق البحث والذي يقوده “المختبر الوطني الرئيسي لمسببات الأمراض والأمن البيولوجي”في بكين قد أطلق علي هذا الفيروس الغامض والجديد إسم “فيروس نايرو القراد الآسيوي طويل القرون ALTNV” والذي يندرج ضمن جنس اورثونايروفيروس Orthonairovirus التابع لفصيلة Nairoviridae ، وتم رصده لدى أكثر من 10% من المرضى الذين خضعوا للفحص، وجاء هذا الاكتشاف بعدما أعطت نتائج الفحوصات اللازمة لتعريف هوية الفيروس الغامض حيث كانت النتيجة سلبية للفيروس لدى 30% من الأشخاص الذين ظهرت عليهم أعراض الفيروس وكان الاشتباه في فيروس “حمي القراد النزفية” والتي يسببها فيروس Dabie bandavirus ويعرف اختصاراً DBV، ونشرت نتائجهم في مجلة نيو انجلاند الطبية New England Journal of Medicine.
يسبب فيروس DBV متلازمة الحمي الشديدة المصحوبة بنقص الصفيحات SFTS أو Thrombocytopenia وهو مرض قاتل يؤدي إلى إنخفاض غير طبيعي في مستوى الصفائح الدموية والتي هي مسؤولة عن عملية التجلط، وينتشر في أنحاء آسيا حيث تتراوح نسبة الوفيات الناجمة عن الإصابة به ما بين 10-30%، لذلك قامت منظمة الصحة العالمية بتصنيف فيروس DBV عاملاً ممرضا ذي أولوية تستدعي البحث العلمي للكشف عن خصائصه وإيجاد طرق علاج له. في سياق البحث عن هذا الفيروس قام الباحثون بجمع عينات من أشخاص تعرضوا للدغات القراد موجودين في مستشفيات مراقبة تقع في مناطق في الصين تنتشر فيها الفيروسات المنقولة بواسطة القراد، حيث سجل نوع القراد ‘هيمافيساليس لونجيكورنيس Haemaphysalis longicornis ” المعروف باسم قراد لونج هورن الآسيوي Asian longhorned tick أعلي معدلات إنتشار من بين 15 مقاطعة في الصين تنتشر فيها الأعراض، ودلت النتائج المخبرية علي قدرة هذا النوع من القراد علي نشر الفيروس، فضلاً على قدرته في نقل فيروس ALTNV إلي الفئران.
ومن خلال عزل الفيروس واستخدام تقنيات التسلسل أو التتابع الجيني للحمض النووي آر إن إيه RNA تمكن فريق البحث من رصد الفيروس الغير معروف من قبل، حيث تم التأكد من تزامن انتشار فيروسين هما فيروس ALTNV وفيروس BDN في نفس المناطق إلي جانب اشتراكهما في الناقل نفسه وهو القراد، ومن ثم أكد الباحثون علي ضرورة تحسين التشخيص التفريقي للتمييز بين العدوي بهذين الفيروسين في المناطق التي تتوطن فيها متلازمة الحمي الشديدة المصحوبة بنقص الصفيحات SFTS.
كان التعب فقط هو العرض الأكثر شيوعاً بين الأشخاص المصابون بفيروس ALANT ، حيث أبلغ عن 84% منهم، وعاني 80% من مشاكل في الجهاز الهضمي، بينما أصيب 38% بنقص في الصفائح الدموية، كما لوحظ إرتفاع في مستويات انزيمات “امينو ترانسفيراز Amino transferase” لدى 36% من المرضى والذي هو دلالة ومؤشر على حدوث إلتهاب أو تلف في الكبد أو أنسجة الجسم الأخري، وقد تماثل هؤلاء المرضى للشفاء في نهاية المطاف.