يعد كتاب “طوق الحمامة” لابن حزم الأندلسى من أروع الكتب فى الحب وأحوال المحبين. وقد غاص مؤلفه فى عالم الحب فلسفيا ونفسيا وأدبيا، وتُرجم “طوق الحمامة” إلى كثير من اللغات.
وفصول الكتاب شيقة فى أصول الحب منها : ماهية الحب – علاماته- ذكر من أحب من نظرة احدة. وفى طوق الحمامة فصول فى أعراض الحب وصفاته مثل الوصل – الوفاء – الهجر.
والحب فى طوق الحمامة أوله هزل وآخره جد، دقت معانيه لجلالتها أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة.
ويقرر “ابن حزم”، وهو فقيه إسلامى، أن الحب ليس بمنكر فى الديانة، ولا بمحظور فى الشريعة، وقد سرد فى طوق الحمامة جانبا من سيرته الذاتية فى عاطفة الحب.
والحب – بتعريف ابن حزم- اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة فى هذه الخليقة فى أصل عنصرها الرفيع.
والحب شئ فى ذات النفس، وهو استحسان روحانى وامتزاج نفسانى.
يؤكد هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم : “الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف”.
وطوق الحمامة كتاب قصصى من الطراز الرفيع يحكى قصص المحبين. كذلك نجد أشعارا جميلة كثيرة فى طوق الحمامة، ولا شك أن الغزل فى الشعر العربى من أروع الفنون تعبيرا عن عاطفة الحب، وأن صورة المرأة فيه من أرقى الصور الإنسانية . ومن علامات الحب الإقبال على الحبيب، والسرور بقربه، والجزع الشديد من إعراضه.
والصب تفضحه عيونه كما قال “أحمد رامى”، أو كما قال ابن حزم:
إذا كتم المشغوف سر ضلوعه فإن دموع العين تُبدى وتفضح
والحب سلطان على المحبين، ونظرة العين رسول الحب، والرسائل المكتوبة تسعد المحبين، وتقوم مقام الرؤية.
وقد يكتم المحب الحب سر حبه خوفا من اللوم، لكن القلب يخفق بالحب الذى يستقر فى الوجدان.
ويبلغ طوق الحمامة مداه فى تحليل أحوال الحب، والإمتاع بقصصه ونوادره وشعره فى المفارقة بين عذاب الحب وعذوبته.
يقول ابن حزم: ومن عجيب ما يقع فى الحب طاعة المحب لمحبوبه.
وللحب آفات، وقد قيل: وأى آفة أعظم من الحب. وأول آفات الحب العاذل الذى يتربص بالمحبين. ويحتاج المحب إلى الصديق المساعد على التخفيف من غلواء الحب، والبوح له بما أصابه منه.
ومن آفات الحب الواشى الذى يريد الوقيعة بين الحبيبين ، ويفيض “ابن حزم” فى تفصيل ذلك ليستوفى الجوانب المختلفة المثيرة لاهتمام المتلقى.
وابن حزم فى طوق الحمامة عالم أديب موسوعى الثقافة، خبير بدروب النفس الإنسانية، وما يتعلق منها بهذا الموضوع المحَّبب إلى النفس، وهو الحب. ويرى “ابن حزم” أن “الوصل” فى الحب هو السعادة والصفاء والفرح، وذلك لوقعه الجميل على نفوس المحبين.
ومن لذيذ معانى الوصل المواعيد، وإن للوعد المنتظر مكانا لطيفا من شغاف القلب، وما فى الدنيا حالة تعدل مُحِبَّين إذا توافقا فى الأخلاق، وتكافيا فى المحبة، كما يقول ابن حزم. وإشفاق المحب على المحبوب من محاسن الحب ورقته ولذته والصبر على الهجر دليل على صدق الحب.
ويذكر “ابن حزم” أنه لم ير هيبة تعدل هيبة محب لمحبوبه. وللعتاب بين المحبين لذة ، إذا كان قليلا.
ويصف “ابن حزم” الوفاء بأنه من حميد الغرائز، وكريم الشيم، وفاضل الأخلاق فى الحب وغيره.
والغدر فى الحب مذموم، وفراق المحبين حزن فى القلب، فإذا كان اللقاء بعده فلا حد لروعته.
أما الفراق فقد أبكى الشعراء بدموع غزيرة، والبكاء على الأطلال فى الشعر العربى شاهد على ذلك.
ولا بد للمحب إذا حُرم الوصل من القنوع بما يجد على حد تعبير “ابن حزم” مواساة للمحبين.
ويرى “ابن حزم” أن النساء رياحين تجب العناية بها. ونرى فى ختام “طوق الحمامة” فصولا رائعة فى فضائل النفس الإنسانية، والتخلق بالصلاح ومغالبة النزوع إلى الشر والفساد ومعصية الله.
وفى هذه الفصول درس أخلاقى رفيع لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الرجل والمرأة من صلاح واستقامة.*
*رجعنا إلى كتاب طوق الحمامة لابن حزم الأندلسى طبعة دار المعارف بمصر ، نشرة الطاهر أحمد مكى ، الطبعة الثالثة ، 1980 .