اتابع وأنا أعاني نزلة برد تفقدني توازني الجدل الدائر حول الحرب الرديئة التي يشنها البعض علي فضيلة مولانا فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي ، الغائب الحاضر ، بزعم أن وزارة الثقافة المصرية العظيمة تعد مسرحية عن صاحب المقام العظيم ، لسان الدعوة الناطق مولانا فضيلة الشيخ الشعراوي ، وعلي الرغم من عدم صحة خبر المسرحية ، إلا أنها أبانت الران الذي يغطي قلوب وبصائر البعض تجاه صاحب المكانة السامقة في مجال الدعوة الروحية والتي يأتي مددها من منابع لا قبل لكثير من الدعاة والكتاب والإعلاميين بل والأكاديمين بها .فقد يدلو بدلوه حول غزوة الأحزاب ، ثم يذهب الي داره يستريح فيأخذه النوم ويأتيه المدد ويشهد الغزوة برؤية العين ويحدثه أبطالها حديث من سمع كلامه في المسجد ، حتي يقول له فلان أن من قتلني فلان وليس علان !؟ مدد كفيل بالرد علي المتطاولين الجهلة
بيد أن ما زاد فزعني هذا ، أن هذا التطاول أخذ شكل رسمي فسمعت أن نائبة تقدمت بطلب إحاطة برلماني لوزيرة الثقافة تطالبها ببيان أسباب زعمها بإنتاج مسرحية عن فضيلة مولانا الشيخ ، رغم أن الأمر لا يعدو حلقة عن فضيلة الشيخ ستذاع في رمضان القادم ضمن مجموعة من الرموز الدينية والإجتماعية والثقافية كنشاط لبيت المسرح المصري ، والذي سيقدم الشخصية بشكل فني بكل ما يحتاجه العمل من إبداع ، ورغم عدم غرابة ذلك ، إلا أن حجم وعمق وكنه الحقد والكره لمولانا من قبل بعض الحاقدين الذين لا يظهرون في أي كادر محترم ، وان ظهورهم مرتبط بالخروج علي النواميس المنضبطة ، سواء بأشكال فلكورية أو افكار صبيانية أو أطروحات خبلانية أو خزعبلات فكرية ، قد طفح بشكل مقزز.
أقول قولي هذا وأنا أثمن النقد البناء الصادر من أي شخص مؤهل للنقد ، لأني أري أن هناك معضلة فكرية منتشرة في الوقت الراهن بصورة غير مسبوقة – يمكن أن نطلق عليها عدم الكفاءة النقدية – ، فقد نجد شخص ما ينقد شخص آخر دون أن يكون مساويا له في مجاله وتخصصه وعلمه .
أفهم ويفهم غيري أن المجامع الفقهية والدعوية وهيئة كبار العلماء ومن علي مثل علمهم ، هو الذي له الحق في نقد فضيلة مولانا الشيخ الشعراوي وبيان استحقاقه لأي تكريم من عدمه ، إما أن يأتي أي ضعيف علميا وضئيل فكريا وجاف روحيا ليقيمه فهذا هو الهراء بعينه ، فأني للحصي أن تقيم الجبال الشاهقات .
اذكر أنني أثناء عملي مسؤولاً عن تحرير مجلة نور الإسلام ( لسان رجال الدعوة والإعلام الديني بالأزهر الشريف ) عملت عدد تذكاري بمناسبة وفاة فضيلته وأعجب به للغاية فضيلة الأستاذ الشيخ سامي محمد متولي الشعراوي نجل فضيلة مولانا الإمام وكان آنذاك الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية ودعاني فضيلته لزيارة دقادوس ، ذهبت وأسرتي لزيارة قبر الإمام ، وعندما نوه خطيب الجمعة من علي المنبر، وكان فضيلة الشيخ محمد السنرواي المستشار الديني لمحافظة الفيوم وزميل الإمام في بعثته لدولة الجزائر ، بالمجلة وماتضمنته من عمل يستحق الإشادة ودعاني لإلقاء كلمة بعد الصلاة أرثي بها مولانا الإمام فما اسعفتني بلاغتي ولم أجد من مفردات اللغة العربية علي غناها وكثرة معانيها ما اصوغ منها كلمات تحدد بوضوح قيمة مولانا الإمام، وكيف لي بذلك فعتذرت للجمهور ، قائلا لهم ، الحضور الكرام : عذرا إن تقاصرت الكلمات و تخاذلت التعبيرات وامتنعت الحروف أن تجتمع مع بعضها مكونة كلمات أنعي بها فضيلة مولانا الإمام ، وذلك لانشغالها بالبكاء علي رحيل فارس الكلمة وأمام الدعاة ، وقلت لهم كيف لي أن أتكلم في مسجد وبلد إمام المتكلمين ، فأني لي بذلك ، وجدران بيوت القرية أبلغ مني بما سمعته من فضيلته وهو طالبا وشابا ومدرسا وخطيبا وأماما ووزيرا واماما للدعاة .
فخفف عني الموقف مولانا الشيخ السنرواي وقال يكفي ما كتبته بتميز في ذلك العدد بالغ التميز والثراء ، وقد كنت عنونته بقولي ” مات ليحيا وغاب ليبقي ” مرفق صورة لغلاف العدد .
وهاهي الأيام تثبت ما كتبت .فمازال مولانا رغم مرور ربع قرن علي مغادرته للحياة حي بيننا ، بخطف الأضواء ويكون مادة للحوارات ومتكيء يتكأ عليه أي مدلل لأي قول علمي إسلامي ، فيقول رحم الله مولانا الشيخ الشعراوي الذي قال في تلك النقطة كذا وكذا ، ربع قرن وإن شاء الله سيستمر ذلك، حتي يرسل لنا الله من يخلفه في تجديد أمر ديننا تحقيقا للوعد المحمدي ، بأن يرسل علي رأس كل مائة عام من يجدد للناس أمر دينها !؟
ما أحب أن ألفت النظر إليه : أن قيمة الفرد – حسب وجهة نظري الشخصية – تتحدد بمدي إنتاجه ما يخدم الإنسانية في سائر دروبها العلمية والفكرية والروحية ، ومولانا الإمام حسبه ما قدمه للكتاب الله الخالد مبينا لألفاظه ، كاشفا لمراميه وغاياته. فضلا عن تواضعه الجم وخلقه السامي وعزوفه عن مغريات وزخرفة الحياة ومناصبها ، بالقياس بجيوش جرارة من محبي الظهور وهواة الترندات الذين يتجرؤون علي الثوابت والرموز بغية شهرة حتي ولو كانت شهرة ممقوتة .
أزعم زعما يقترب من الإعتقاد بأنه لولا تلك الأجواء الإعلامية التي وفرتها تلك الطفرة الاتصالاتية لمحبي الظهور ما سمعنا مثل تلك التطاولات ، ولكنها الموجة الإعلامية وما تتطلبه من خروج علي المألوف .
لقد أسرفت تلك الميديا في توزيع الألقاب والمسميات علي غير مستحقيها ، فمنحت الألقاب الكبرى للصغار وأذابت حدود التفاضل ، فاابتدعت من المسميات : نقيب البتاعيين ،
عميد… البتوعيين ، القامة الفكرية ، العلامة الفهامة ، الظاهرة ، الخبير ، المناضل ،….. الخ
كل ذلك في حيز جغرافي مزدحم بالأشخاص والخبراء والإعلاميين ، غير عامر بأثر مادي في المحيط الثقافي والمعرفي ، ولا مهر المجتمع بنظرية علمية ولا اختراع تقني ولا انشأ مدرسة أدبية متميزة ، ولا حتى أضاف لونا – حتى ولو كان باهتا – على فلسفة فكرية أو اخرى نقدية .
ومع ذلك تتوزع الألقاب والأمجاد على كل أفراده والخصائص الفريدة على كل فئاته ، بشكل أفقي ممتد بطول المدى الجغرافي والديمغرافي.
ياله من كثير العجب أن ينقد ويقيم رجل من رجالات العلم والورع من أناس قليلي الإنتاج والعلم ، كثيري والجهل والتخلف. صدعوا رؤوسنا بالحديث عن سنام أقوالهم وهي لا تعدوا عن كونها خبالات وخروجا عن الثوابت الفكرية والمجتمعية .
سيدي الإمام الجليل . أنا استشعر روحك ترفرف في أجواء دنيانا كما كانت تذهب في أجواء الصالحين وأنت بيننا ، تتابع السجال الحادث وتشهد التطاول الرديئ علي مقامك ، وتتقبله أنت بالرضي احتسابا للأجر .لتنتظم في صفوف الصالحين الذين طالهم هجاء الهجائين وتطاول السفهاء ، وانا علي يقين انك راضي عن جمهورك العظيم الذي انتفض لمجابهة هذا الهجاء والتطاول ، مقدما ملمحة بالغة الثراء في الزود عنك والإشادة بما قدمته لهم من علم وسلوك ، وعساك تكون راضياً عنا .
فعد إلي مرقدك قرير العين في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، ونحن هاهنا قاعدون نتصدي لتيارات الهجاء والتطاول وعدم التقدير . وإنا إن شاء الله لقادرون علي رد كيد المتطاولين في نحورهم .
نم قرير العين لا يؤرقك ما يقولون .فقد أديت واجبك ومهمتك علي أكمل وجه ، وأرضيت ربك وكنت فينا القدوة الحسنة والذكري الطيبة .
نم قرير العين بعد أن اقتحمت الحياة اقتحاما ، ودخلت في غمارها ومشكلاتها في شجاعة وثقة ، تعلمت وعلمت ،وكتبت لنفسك بنفسك تاريخ لاينضب بالموت ، فليس العبرة بالوجود ، بل بما تركه ذوو العزائم صادقوا الهمة ، الواعون بأدوارهم علي أساس من وعيهم برسالتهم .
لا تشغل بالك بهؤلاء الأقزام ، فحظهم من الدنيا مأكل ومشرب ومغنم وملهي وزينة وتفاخر وملبس وحمالة وببيونه وببرونه !!
تبقي كلمة
يبدو أن فضيلة مولانا الإمام الجليل سيدي محمد متولي الشعراوي مصمم ألا يموت وتخمد ذكراه ، بل هو من فيض أعماله الكرام ، يقيد الله من يقوم علي نبش تلك الذاكرة – سواء كان محباً أو كارها – فلا يعلم جنود ربك إلا هو ، حتي تهب النفوس ترحما عليه ، وتنطق الألسنة الثناء عليه ، وهكذا هم المصلحين والعظماء لايموتون ، فكأنه مات ليحيا وغاب ليبقي .
الله أسأل أن يقيد من خلقه من يقوم علي تسويق نطاق العلم بما قدمه فضيلته نحو كتاب الله الكريم ، حتي يرث الله الأرض ومن عليها وأن نلتقي به في مستقر رحمته مع الحبيب الشفيع والصحابة الكرام والتابعين ونحن معهم بإحسان اللهم امين .