الناس فيما يعشقون مذاهب : قول يجسد حالة الأمة المزاجية فلكل منا هواية تختلف عن هواية الآخر ، زميل الدراسة هوايتة ( الجميلة ) ترأس لجنة فض المنازعات بالقرية ، يقضي يومه بطوله وعرضه في حل مشاكل الناس ، وهو عمل يستحق الإشادة، وهواية شاقة للغاية، وعمل لا أجدني قادر عليه ، لا لقلة خبرتي به ، ولكن لانقضاء جل الوقت في حوارات وجلسات ومعاندات وطبطبة واستجداءت ليس لها ستين أي معني ، إيماني في ذلك أنه طالما لا أملك فرض رأي ملزم لأطراف النزاع ، فلا داعي للطبطبة ، فضلا عن الخروج من كل عملية صلح خاسراً لطرف من أطرافها ، وليس معني هذا أنني أدعوا كل لجان الصلح للتخلي عن رسالتها ، ابدا لم أقصد هذا ، ولكن أتمني أن نستدعي من أفعال من سبقونا النماذج الأكثر فعالية وأقل تكلفة ، ولا تضيع أوقات فرق الصلح التي لا تتقاضي أجر ، لاسيما في تلك الأوقات التي تحتاج فيها كل أسرة عائلها معها بصورة دائمة .
اسمحوا لي أن استدعي لكم نموذجاً من النماذج المضيئة في تاريخ البشرية وحدث من الأحداث ذات البصمة الإنسانية وموقف من المواقف النبيلة التي تخدم جمال الحياة؛ ووسيلة في غاية الأهمية لإحياء القيم السامية و تعزيز منظومة الأخلاق التي على أساسها تحفظ الحقوق و تنمو العلاقات بشكل طبيعي يجد فيه كل كائن ذاته الأصيلة و حقه في العيش دون منة من أحد.
فقبل مايزيد علي أربعة عشر قرنا بأربع وأربعين عام ، ولد من رحم الظلم والجور حلف من أعظم الأحلاف الأخلاقية على مر التاريخ، سمي حينها ب”حلف الفضول”، لما فيه من إحقاق الحق و رد الفضول لأصحابها، في بيئة جاهلية كانت قد امتلأت نزاعات و عصبيات و حروب استنزاف تافهة الأسباب ، و في مجتمع يئد البنات، و يقتتل أربعين سنة حمية لناقة أو جمل!
[مما ينقُلُه التاريخ عن ذلك المجتمع الجاهلي و سيادةِ منطق القوة فيه: أنه إذا قابل صاحب ظعينة آخرَ ليس من قبيلته و لا من قبيلة لها معها حلف، تقاتَلا، فإذا قُهِر صاحبُ الظعينة، أُخِذت منه سبيةً فاستحلَّها بذلك الغالب، ليلحق العار أبناء هذه السبية مدى الحياة؛ لذلك كان مِن مفاخر الرجل منهم أن تكون أُمُّه حرَّةً نَسِيبة، لا سبيَّة جَلِيبة!
و كانت ذاتية الفرد ذائبةً في “جماعية” القبيلة؛ فهو تابع لها، ذائب فيها، في الشر و الخير .
وحرصًا على مكانة القبيلة و هيبتها في مجتمع الدمِ و العدوان و القوة هذا ، كانت القبيلةُ تنصُرُ مَن ينتسب إليها أو يحالفها؛ ظالِمًا كان أو مظلومًا، فإذا لم تفعل ذلك لحِقَتها المسبَّة و المعرَّة؛ ليس مثل هذه الأيام ( في المناصرة ، وليس في الجور والاعتداء) وإني إذ أريد أن أقرب معني اختلاف القبائل في الماضي عن الحاضر ، لأقول : بأني تعرضت ذات يوم لاعتداء من فاسق لاعتراضي علي حدث أحدثه في مجتمعنا المحافظ الذي لم يكن له به إلف أو مثل ، حدث هذا أمام قبيلتي الصغيرة وقبيلتي الكبري ، وهي أهل القرية ، دون مناصرة من أحد ، ولا حتي من أقرب الأقربين ، حينما أعرض هذا الموقف السخيف اقتبس قول قريط بن أنيف العنبري والذي جسد حالي آنذاك ، تأملوا ماذا قال ، لقد قال:
لو كنتُ مِن مازنٍ لَم تستبِحْ إبلي
بنو اللقيطةِ مِن ذُهلِ بن شيبانا
إذًا لقام بنَصْري معشرٌ خُشُن
عند الحَفِيظةِ إنْ ذو لُوثةٍ لانا
قومٌ إذا الشرُّ أبدى ناجذَيْهِ لهم
طاروا إليه زرافاتٍ وُحْدانا
لا يسأَلون أخاهم حين يندُبُهم
في النائباتِ على ما قال بُرهانا
لكنَّ قومي و إن كانوا ذوِي عددٍ
ليسوا مِن الشَّر في شيءٍ و إنْ هانا
يجزُون مِن ظُلم أهلِ الظلم مغفرةً
و مِن إساءة أهلِ السُّوء إحسانا
كأنَّ ربَّكَ لم يخلُقْ لخشيته
سواهم مِن جميع الناسِ إنسانا !!!
من رحم هذه البيئة الدموية خرج حلف الفضول الذي تشكل على إثر مظلمة زبيدي صعد جبل أبي قبيس بعدما ضاقت به الأرض و تقطعت به السبل و أيقن ضياع تجارته التي استحوذ عليها العاص بن وائل -أحد سادات قريش- و منعه حقه، فاستنجد الزبيدي فلم ينجده أحد، بل انتهروه، لينشد و قريش في أنديتها عند طلوع الشمس:
يا آل فهر لمظلوم بضاعته
ببطن مكّة نائي الدار و النفر
و محرم أشعث لم يقض عمرته
يا للرجال و بين الحجر و الحجر
إنّ الحرام لمن تمت كرامته
و لا حرام لثوب الفاجر الغدر
فاجتمعت قبائل قريش، و تم الحلف، و قال الزبير بن عبد المطلب: “ما لهذا مترك” أي: لا نتركه حتى نرد له حقه، و بالفعل ساروا إلى العاص و ردوا إلى الزبيدي تجارته في مشهد إنساني مؤثر!
حلف الفضول هو أحد أحلاف الجاهلية الأربعة التي شهدتها قريش، و قد عقد الحلف في دار عبد الله بن جدعان التيمي القرشي أحد سادات قريش و ذلك بين عدد من عشائر قبيلة قريش، في شهر ذي القعدة سنة 590 م بعد شهر من انتهاء حرب الفجار بين كنانة و قيس عيلان، توافق عليه بنو هاشم و بنو تيم و بنو زهرة حيث تعاهدوا فيه على أن: (لا يظلم أحد في مكة إلا ردوا ظلامته)،
وقد شهد النبي صلى الله عليه و سلم هذا الحلف قبل بعثته و له من العمر ٢٠ سنة، و قال عنه لاحقا: “لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، و لو دعيت به في الإسلام لأجبت .
إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” هكذا قال النبي صلى الله عليه و سلم إذ أنه رغم الجاهلية التي كانت تفتك بالسلم و الأمن و تلغي الحقوق و تعزز الفوارق الجائرة إلا أن المشهد القرشي في تلك الحقبة لم يخل من أحداث مضيئة و خلال حميدة جاء النبي صلى الله عليه و سلم لتعزيزها وليتممها بعدل و رحمة.
ولما لا يعجب به صلى الله عليه و سلم وقد بعث رحمة للناس كافة، لذا نجده صلي الله عليه وسلم لا يفوت فرصة للسلام و السكينة على امتداد سني دعوته المباركة، ففي صلح الحديبية كان موقفه حاسما رغم ما رأى الصحابة من إجحاف لهم في بنود الصلح، حيث قال لهم “والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلى أعطيتهم إياه
وبعد التمكين للمسلمين في الأرض، تأسست الدولة المحمدية على حلف واسع تساكن فيه المسلمون و المسيحيون و اليهود تحت شعار “لا إكراه في الدين” حيث نصرة المظلوم و عون الضعيف و إكرام عابر السبيل و الحكم بالحق و إشاعة مكارم الأخلاق و إفشاء السلام و إطعام الطعام، و تحريم الرذائل، و قد كان ذلك سببا في دخول الناس الإسلام و دعوتهم له.
والتاريخ الإسلامي مشع بنماذج كثيرة من الوفاء بالعهود و المواثيق و احترام الأحلاف التي تعزز السلم و العدل و تنصف المظلوم و تعطي كل ذي حق حقه.
لقد استحق “حلف الفضول” أن يسجل نفسه في منصات التتويج باعتباره تجربة إنسانية بالغة القيمة والهدف ، وبات إطارا يبعث الأمل في نفوس صناع الحياة من بني البشر الذين تأبى أنفسهم العدوان بفطرتهم الإنسانية السليمة لذلك .
أفهم أن الدولة بشكلها العصري تنوب عن الأحلاف في صد العدوان ورد الحقوق وإغاثة المظلوم ، لكن هذا الجهد ، لا يستعلي علي وجود أحلاف إجتماعية توأد الخلافات قبل استفحالها وتتصدي للخارجين علي القيم قبل أن يستفحلوا .
أصبح من اللازم تحرك العقلاء في كل مجتمع لتكوين أحلاف لإطفاء حرائق الإجرام والبلطجة والتعدي علي الحقوق والأعراض والمواريث المنتشرة في كثير من المجتمعات .
في ظل هذا الوضع الحرج نحن بحاجة إلى حلف يضم حكماء وأقوياء و عقلاء كل حي وكل قرية تردع المجرم قبل إجرامه ، وتمنع الغاصب من غصبه ، ولا مانع أن يكون أعضاء لجان الصلح الكريمة أعضاء في تلك الأحلاف لاف ، وسواء تم ذلك أو لم يتم سيبقي عملهم جهد نبيل و نهج قويم لازال يؤتي ثماره لكي يعم الأمن و السلام بحول من الله و فضله.