في وقت لم يكن فيه المواطن المصري يعرف غير الزيارات العائلية، واللمة الحلوة على القهوة لمتابعة مباراة الاهلي والزمالك ، والجلوس امام برنامج جولة الكاميرا والشعراوي والعلم والايمان ، ظهرت علينا ما تُعرف بـ”مواقع التواصل الاجتماعي”، والتي تحولت سريعًا في سياقنا المحلي إلى “مواقع التباعد الاجتماعي”، ليس بسبب الكورونا كما تظن، بل بسبب الاستخدام المصري الفريد لها .
فبدلاً من أن تقرب المسافات، أصبحت هذه المواقع تُستخدم كوسيلة للاختفاء الطوعي، والهروب من المواجهة، وممارسة العلاقات الإنسانية عن بُعد، وكأنك في علاقة رومانسية .Wi-Fi مع
“احنا بقينا نحب من غير ما نشوف بعض، ونخاصم من غير ما نتكلم”
تشير الإحصائيات غير الرسمية – التي جمعناها من الجروبات العائلية – إلى أن 80% من المصريين يعبّرون عن حبهم الآن بـ”لايك” على بوست قديم، بينما 20% المتبقين اختفوا في ظروف فيسبوكية غامضة بعد خلاف في التعليقات .
المصري الذي كان يحب اللمة على القهوة وهوبيشرب الشاي ، بقى يبعته على هيئة صورة كوباية شاي ساخن” مكتوب عليها: “صباحكم رايق يا رجالة .”
أما الخناقات، فقد تطورت هي الأخرى من “المشادة على الرصيف” إلى “المعارك في الكومنتات”، حيث تجد شجارًا فلسفيًا بين حساب باسم “أبو قلب حنين” وآخر يُدعى “عاشق القهوة” حول من الأحق برئاسة جروب محبي أم كلثوم .
“مواقع التباعد: سايبين الناس لبعضها من غير رقابة أبوك الكبيرة”
زمان، كان فيه “رقيب مجتمعي”، الست أم محمد اللي ساكنة على الناصية، واللي كانت بتعرف كل حاجة وبتصلح بين الناس. ابوك واخوك في البيت اختك امك فينهم دلوقتي الرقيب بقى خوارزمية بتقترح لك بوستات شبه الحاجات اللي بتضغط عليها، فلو ضغطت مرة على فيديو نكد… استعد لرحلة حزينة لا نهاية لها !!
والواد حموكشة المراهق لو ضغط على فيديو للبلوجر سنية ام تاتو هايلاقي منها كثيرزيها وزي غيرها كثير المنتشرين اكثر من الهم على القلب !!
هل هناك أمل؟
الأمل موجود، لكنه بيحتاج “ريسيت للمودم المجتمعي”. لو استخدمنا مواقع التواصل لتعليم حقيقي، لنشر الإبداع، أو حتى لتنسيق خروجة محترمة بعيدًا عن جروبات “فاضيين ننزل؟”، يمكن ساعتها نرجّع القيمة الاجتماعية للمواقع دي، بدل ما تفضل مكان نختبئ فيه من الحياة، ونمارس فيه كل مشاعرنا عن طريق رموز صفراء مبتسمة .
في النهاية، السؤال الحقيقي هو :
هل مواقع التواصل قربتنا؟ ولا بعدتنا ونحن نضحك؟
هل أصبح “آخر ظهور” أهم من آخر مرة شفنا بعض بجد ؟
وهل نحتاج لتطبيق اسمه “ارجع لي”… يعيد العلاقات الإنسانية إلى وضعها الطبيعي، وجهًا لوجه، بس من غير فلاتر ؟