في سباق محموم مع الزمن، تتكشف حقائق مؤلمة تكشف حجم التواطؤ الدولي في جريمة العصر. ففي الوقت الذي يتضور فيه أهل غزة جوعًا ويُبادون تحت أنظار العالم، يأتي تصريح صادم من مصدر مقرب من البيت الأبيض، ليؤكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد طلب من بنيامين نتنياهو “تسريع العمليات العسكرية”. هذا التصريح ليس مجرد دعوة لإنهاء الحرب، بل هو أمر مباشر لتسريع وتيرة الإبادة الجماعية، وهو ما يضع ترامب مباشرة في دائرة الاتهام أمام محكمة الجنايات الدولية. إنه دليل إدانة على أن الدعم الأمريكي لم يكن مجرد غطاء سياسي، بل هو شراكة فعلية في الجريمة.
الإبادة بأوامر أمريكية
إن ما كشفته صحيفة “يسرائيل هيوم” ليس بالأمر الهين؛ فطلب ترامب من نتنياهو “افعلوا ذلك ولكن بسرعة” يُعتبر بمثابة ضوء أخضر لتكثيف القتل والدمار في غزة. هذا التصريح، الذي لم ينكره لا مكتب نتنياهو ولا البيت الأبيض، يثبت أن قرار إبادة الشعب الفلسطيني لم يكن قرارًا إسرائيليًا منفردًا، بل هو نتاج تنسيق كامل مع القوى التي تدعم الاحتلال. هذا التواطؤ يترافق مع استعدادات الجيش الإسرائيلي لاجتياح مدينة غزة بالكامل، في مخطط إجرامي يهدف إلى تهجير ما يزيد على مليون فلسطيني، وتكرار مأساة النكبة أمام العالم بأسره. إن هذه الخطوات التصعيدية، التي تهدف إلى إعادة احتلال القطاع، تؤكد أن هدف الاحتلال لم يكن أبدًا القضاء على “حماس”، بل هو القضاء على الوجود الفلسطيني نفسه.
أكاذيب التجويع الممنهج
بينما يعترف العالم بأسره بأن غزة تتضور جوعًا، وأن الأطفال يموتون من سوء التغذية، يصر نتنياهو على ترويج أكاذيب سخيفة لتبرير جرائمه. ففي مؤتمر صحفي لوسائل الإعلام الأجنبية، ادعى نتنياهو أن المجاعة “مؤامرة حماس”، وأن صور الأطفال الهزيلين هي “لأشخاص يعانون من أمراض وراثية”. إن هذا التضليل الذي سارعت وسائل الإعلام الإسرائيلية لتبنيه، هو محاولة بائسة لتزييف الحقائق على الأرض، والتي تؤكدها تقارير الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، واليونيسف، وغيرها من المنظمات الموثوقة. إن المجاعة في غزة ليست صدفة، بل هي نتيجة مباشرة للحصار الممنهج الذي فرضته إسرائيل، وتدميرها الممنهج للبنية التحتية، وتجويعها المتعمد لأكثر من مليوني إنسان.
هل يتحوَّل الرفض الدولي إلى محاسبة فعلية؟
تصريحات ترامب ونتنياهو تمثل “أدلة دامغة” لمحكمة الجنايات الدولية على ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية. الضغط الشعبي العالمي عبر “مقاطعة إسرائيل وداعميها”مثل شركات السلاح والتكنولوجيا الداعمة للاحتلال، ومطالبة الحكومات بـ”تجديد العقوبات”وتجميد أصول قادة الاحتلال، وتقديم شكاوى جماعية لمحكمة العدل الدولية – هي أدوات حاسمة لوقف الإبادة. نجاح حملات مقاطعة “بي.دي.إس” وخروج مليون متظاهر في لندن ضد المجازر يؤكدان: “الشعوب قادرة على فرض المحاسبة حين تعجز الحكومات”.
الأردن وفلسطين: خط أحمر واحد
في خضم هذا العدوان، يأتي موقف الأردن ليؤكد على وحدة المصير. فبيان عشيرة البدادوة القوي الذي يرفض تصريحات نتنياهو ويهدد بأن الأردن “حصن منيع” هو رسالة واضحة للمحتل بأن المساس بسيادة الأردن هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه. إن هذه التصريحات، التي تصف نتنياهو بأنه “يعيش في أوهام”، تؤكد أن الشعب الأردني ملتف حول قيادته الهاشمية في حماية مقدساته وأراضيه، وأن قضية فلسطين هي قضية الأردن الأولى. إن الرد الأردني الحاسم على محاولات نتنياهو ضم أراضي أردنية، هو دليل على أن الأمن القومي العربي لا يمكن تجزئته، وأن الاحتلال لن يجد له موطئ قدم على أرض عربية.
الرد: مقاضاة أمريكية وقطع عربي
إن تصريحات نتنياهو ليست تهديدًا، بل هي مخطط واضح للتوسع. أما تصريحات رئيس الكنيست التي تدعو لإقامة دولة فلسطينية في “لندن وباريس”، فهي ليست مزحة، بل هي وقاحة لا يجب السكوت عنها. إن هذه التصريحات تؤكد أن الاحتلال لا يحترم أي قانون أو عرف دولي، وأن منطقه الوحيد هو القوة. لذا، يجب على الدول العربية أن تتخذ موقفًا موحدًا يتجاوز التنديد. يجب أن تتحول الإدانات إلى أفعال حاسمة، تبدأ بقطع العلاقات مع الاحتلال، وتقديم قادته للمحاكمة الدولية، ومقاطعة الدول الداعمة له.
خاتمة نارية: صمتكم شراكة في الجريمة
لقد كشفت الحرب على غزة أن العالم يقف أمام نظام عالمي جديد، تحكمه مافيا صهيو-أمريكية لا تعترف بالقوانين أو الأعراف الدولية. إن تصريحات ترامب ونتنياهو ليست سوى إعلان صريح عن هذه الحقيقة. لا يمكن لأي دولة عربية أن تبرر صمتها أو تجاهلها لهذا الواقع المرير. لقد آن الأوان لأن تترجم المواقف الشفوية إلى أفعال حقيقية، تبدأ من الشارع العربي الذي يرفض التطبيع ويدعو للمقاطعة، وتنتقل إلى الحكومات التي يجب أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية في حماية الأمة. فإما أن نقف كأمة واحدة في وجه هذا العدوان، أو أن نقبل بأن نكون مجرد متفرجين على إبادة أشقائنا، وأن نصبح شركاء في الجريمة بصمتنا.