في عالم تتشابك فيه المصالح وتتعاظم فيه التحديات، تلوح في الأفق بوادر تحول تاريخي. بينما تتغنى القوى الغربية بمفاهيم الديمقراطية والحقوق، وتغض الطرف عن أبشع صور الإبادة والتجويع في غزة، يخرج صوت آخر من قلب آسيا ليقدم رؤية جديدة لنظام عالمي أكثر عدلاً وإنصافاً. هذه الرؤية ليست مجرد كلمات جوفاء، بل هي دعوة حقيقية لإعادة تشكيل موازين القوى، ووضع حد لسياسات الهيمنة التي أثبتت فشلها في جلب السلام والاستقرار. في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، اجتمع قادة العالم ليطلقوا رسائل قوية، معلنين أن زمن الأحادية القطبية قد ولى، وأن العالم يتجه نحو عهد جديد من التعددية المتساوية.
تنديد صيني روسي بعقلية الحرب الباردة
في قمة تيانجين، أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين انتقادات حادة للسياسات الغربية، مؤكدين على ضرورة معارضة عقلية الحرب الباردة وسياسات الترهيب التي تنتهجها بعض الدول. هذه التصريحات، التي وجهت بشكل مبطن للولايات المتحدة، أكدت أن منظمة شنغهاي تسعى لتكون قوة موازنة لحلف الناتو، وأنها ترفض الهيمنة الأحادية. الرئيس الصيني دعا إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، وإلى عولمة اقتصادية شاملة، معلناً عن مساعدات مالية ضخمة للدول الأعضاء. من جانبه، دافع بوتين عن العملية الروسية في أوكرانيا، محملاً الغرب مسؤولية إشعال فتيل الأزمة بمحاولته ضم كييف إلى حلف شمال الأطلسي.
منظمة شنغهاي.. قوة جديدة في نظام عالمي مضطرب
تعد قمة تيانجين الأكثر أهمية في تاريخ منظمة شنغهاي للتعاون، نظراً للأزمات المتعددة التي تواجهها. من المواجهة التجارية بين الولايات المتحدة والصين والهند، إلى حرب روسيا وأوكرانيا، وصولاً إلى الملف النووي الإيراني، تبرز المنظمة كمنصة إقليمية للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني. تمثل الدول الأعضاء في المنظمة قرابة نصف سكان العالم و23.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يجعلها قوة لا يستهان بها في معادلة القوى الدولية. وتظهر الصين نفسها كقوة عالمية مستقرة تدعم العالم النامي، في وقت تبتعد فيه الولايات المتحدة عن دورها القيادي وتكتفي بالمشاركة في صراعات أخرى. هذه القمة تؤكد أن المنظمة قوة مقابلة للتكتلات الغربية بقيادة الولايات المتحدة.
ما بين الخطاب والواقع: هل تمتلك منظمة شنغهاي مقومات النظام العالمي البديل؟
وراء الخطاب القوي الذي تطلقه منظمة شنغهاي، تبرز تساؤلات مصيرية حول قدرتها الحقيقية على تشكيل نظام عالمي بديل متكامل. فمعظم اقتصاديات دولها، رغم ضخامتها، لا تزال هشة ومعتمدة على التصدير للغرب، وتواجه تحديات داخلية كبيرة في مجال حقوق الإنسان والحريات. التناقضات الجيوسياسية بين أعضائها، مثل التنافس التاريخي بين الصين والهند، تهدد تماسكها في لحظات الحقيقة. السؤال الذي يفرض نفسه: هل تمتلك المنظمة رؤية سياسية واقتصادية متماسكة وقادرة على الاستقطاب العالمي beyond مجرد معارضة الهيمنة الأمريكية، أم أن خطابها يبقى أقوى من فعاليته على أرض الواقع؟.
ترمب يواصل سياسات التغطية على إبادة غزة
وفي ظل عجز النظام الحالي وتناقضات البديل الناشئ، تستمتع القوى التقليدية بفسحة من الوقت لتعزيز هيمنتها، كما يتجلى بوضوح في الملف الفلسطيني. وفي الوقت الذي تخرج فيه منظمة شنغهاي لتطالب بنظام عالمي أكثر عدلاً، يتضح للعالم أن الولايات المتحدة، وعلى رأسها الرئيس دونالد ترمب، هي من تدير الإبادة والتجويع في غزة. تصريحات قائد فرقة غزة السابق، يسرائيل زيف، بأن نتنياهو “مشلول” ولن يتحرك دون موافقة ترمب، وتصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل، بأن على إسرائيل أن “تهزم حماس وأن تقرر كيف تحقق ذلك”، هي دليل قاطع على أن الإدارة الأمريكية تقدم الضوء الأخضر لاستمرار المذابح. وبينما تتابع هيئة عائلات الأسرى الإسرائيليين أن نتنياهو يضحي بالمختطفين لبقائه السياسي، يتضح أن أمريكا ليست وسيطاً نزيهاً بل شريكاً في الجريمة.
كلمة أخيرة
في ظل هذه المعطيات، يتبين أن النظام العالمي القديم القائم على الأحادية القطبية قد وصل إلى نهايته، وأن وعود ترامب بإنهاء الحروب ما هي إلا سراب يخفي وراءه أجندات خفية. من غزة إلى أوكرانيا، تواصل واشنطن سياستها القائمة على الهيمنة والترهيب، بينما تخرج قوى جديدة، مثل منظمة شنغهاي، لتقدم بديلاً قائماً على التعاون والتعددية. وإن تصريحات ترامب الغامضة عن “شيء قادم” ليست سوى دليل على حالة الفوضى التي يعيشها العالم تحت قيادة الإدارة الأمريكية. حان الوقت للدول العربية أن تدرك أن من يدير الحرب في غزة ليس نتنياهو وحده، بل هو ترامب، وأن السبيل الوحيد لوقف هذه الإبادة هو الالتفاف حول نظام عالمي جديد يرفض الهيمنة ويحقق العدالة للجميع.