وائل السنهورى
جاءت ورشة “الرقص المعاصر ، المودرن كيف نحكي قصة من خلال الحركة” لتفتح آفاقًا جديدة للتعبير الفني عبر الجسد.
قادَت الورشة الراقصة والمصممة السويسرية نينا ترابر، صاحبة المسيرة الدولية الثرية التي جمعت بين الباليه الكلاسيكي والرقص المعاصر والجاز وفنون الأداء، والتي قدّمت أعمالها في أوروبا وأمريكا اللاتينية ومصر.
واتسمت الورشة بأجواء يسودها الأمان والراحة، حيث انطلقت بتدريبات حركية أساسية مثل الحركة الدائرية دون اصطدام، مرورًا بتمارين التواصل البصري التي سمحت للمشاركين بالشعور بالآخر والتعبير عن الإحساس الداخلي. كما شملت تمارين للتنفس والمرونة الجسدية، عكست كيف يمكن للخيال والتقنية أن يتكاملا ليجعلا من الحركة وسيلة لبناء قصة مشتركة.
كما امتدت التجربة في اليوم الأول من الورشة لتشمل الربط بين الموسيقى والتنفس باعتبارهما جسرًا للتواصل مع الذات. ومن خلال تمارين اعتمدت على الإصغاء للإيقاع الداخلي ومشاركته مع الآخرين، اكتشف المشاركون كيف يتحوّل التنفس إلى أداة للتعبير والاتصال. كما شكّلت تمارين التحوّل من التوتر إلى الاسترخاء عبر تغييرات جسدية مفاجئة مساحة حقيقية لاختبار قدرة الجسد على تبديل حالاته وخلق مشاعر جديدة في لحظة واحدة.
وتعمّقت الورشة أكثر عبر تمرين مبتكر يقوم على اختيار مشاعر متباينة مثل الغضب، الحزن، السعادة أو الهدوء، ثم دمجها جميعًا في حركة واحدة. لم يكن الهدف تقليد الشعور، بل إيجاد صيغة فريدة وخاصة لكل مشارك تعكس هويته وتشد انتباه الجمهور بصدق وأصالة. وفي هذا الإطار، عبّر المتدربون عن مشاعر معقّدة مثل الطموح وما يقابله من فقدان، أو التقييد في مواجهة التحرر، ليتحوّل الجسد إلى مرآة تعكس صراعات داخلية وتناقضات إنسانية بليغة.
كما تنوّعت التدريبات بين تحريك كل جزء من الجسد على إيقاع الموسيقى، وبين تتابع الحركات أحيانًا بصوت وأحيانًا في صمت. هذه التجارب الجماعية أظهرت كيف يمكن أن تولد المشاعر بشكل عفوي، وكيف يساهم التفاعل مع المجموعة في خلق طاقة مشتركة تتجاوز حدود الفرد. اندمجت الحركات الفردية لتشكّل نسيجًا حركيًا واحدًا يعبر عن تواصل أعمق بين الأجساد والأحاسيس.
واختُتم اليوم الأول من الورشة بتمارين دمجت بين التنفس والخيال الحر، حيث أتيح للمشاركين أن يحوّلوا عادات يومية بسيطة إلى رقصات متسلسلة تحمل بصمتهم الخاصة. هذا الختام لم يكن مجرد نشاط تدريبي، بل محطة تأملية أكدت أن التعبير الحركي يمكن أن يكون أداة لاكتشاف الذات، وفي الوقت نفسه
جسرًا للتواصل مع المجموعة.
أما عن اليوم الثاني والأخير لورشة الرقص المعاصر، انطلق المشاركون في تجربة استثنائية لتصميم رقص جماعي يبدأ بخطوات بسيطة تتصاعد تدريجيًا حتى لحظة الذروة المليئة بالطاقة، ثم ينتهي بإيقاع متناغم يترك أثره. لم يكن التدريب مجرد حركة جسدية، بل رحلة داخلية لاكتشاف كيف يترجم كل إنسان مشاعره بطريقة مختلفة عبر قاموسه الخاص من الحركات، لتجتمع الطاقات الفردية في لوحة جماعية نابضة بالحياة.
ومن خلال تدريب Pull & Push، تباينت ردود فعل الجسد أمام دفعة بسيطة، فتنقلت بين الضعف وفقدان السيطرة وصولًا إلى الانسيابية الكاملة. ومع تنويع الإيقاعات، بدأت الحركات ببطء شديد قبل أن تتسارع تدريجيًا، لتخلق مشهدًا دراميًا يكشف بوضوح ملامح المشاعر على الوجوه. كان التمرين أقرب إلى لغة مسرحية صامتة، حيث يترجم الجسد الانفعالات قبل أن تنطق بها الكلمات.
وفي تدريب Partners، تعلّم المشاركون كيف ينصتون لوزن الشريك ويشعرون به، ليختبروا معًا معنى الثقة والتواصل والمسؤولية تجاه الآخر. وفي تمرين السقوط والإمساك، تجسد الاعتماد المتبادل كرمز للأمان، قبل أن يختار كل فريق مشهدًا من الحياة اليومية ويترجمه بحركات تبدأ من أعمق المشاعر حتى تصل إلى ذروتها، ليصبح الجسد شاهدًا صادقًا على قوة الروابط الإنسانية.
وفي الختام
جاء العرض التطبيقي ليجسد حصاد الرحلة كاملة، حيث تحولت التدريبات إلى لغة فنية نابضة بالحياة. لقد كان المشهد شهادة على طاقة الإبداع حين يلتقي التدريب بالشغف، ويمنح الجسد حرية التعبير الصافي.
وفي تعليقها بعد انتهاء الورشة، أعربت المدربة نينا ترابر عن سعادتها الكبيرة بالتجربة قائلة إنها استمتعت بالعمل مع المشاركين وتبادل الطاقة معهم، مؤكدة أنها متحمسة دائمًا للعودة إلى مهرجان الإسكندرية، خاصة وأنها ليست مشاركتها الأولى فيه. وأضافت أن هذا اللقاء يظل بالنسبة لها مساحة مميزة للإبداع والتواصل الثقافي والفني.