عبدالرحيم عبدالباري
في عالم الطب، حيث يتصارع العلم مع الزمن لإنقاذ الأرواح، يطل مستشفى أحمد ماهر التعليمي بإنجاز جديد يؤكد مكانته كأحد أعمدة الرعاية الصحية المتقدمة في مصر. فريق طبي بوحدة المناظير المتقدمة نجح في إعادة الحياة لمريض خمسيني كان يواجه خطرًا داهمًا بسبب انسداد متكرر في القنوات المرارية. العملية لم تُنقذ المريض فحسب، بل كتبت صفحة جديدة من التميز والابتكار، حيث تم استئصال الورم بالكامل بالمنظار دون الحاجة للجراحة المفتوحة.

القصة بدأت بوصول مريض يبلغ من العمر 57 عامًا إلى مستشفى أحمد ماهر التعليمي وهو في حالة إعياء شديد، وسط علامات تحذيرية تشير إلى وجود انسداد خطير في القنوات المرارية. وبعد إجراء الفحوصات، تبيّن أن السبب وراء ذلك هو ورم عند مدخل القناة المرارية مصحوب بنسبة عالية من التحور الخلوي، ما جعل وضعه معقدًا وخطيرًا. الخطة العلاجية التقليدية كانت تقتضي التدخل الجراحي الكبير، لكن الفريق الطبي قرر البحث عن بدائل أكثر أمانًا وأقل خطورة على حياة المريض.
أوضح أ. د. محمد مصطفى عبد الغفار، رئيس الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، أن المريض كان على وشك الدخول في مسار علاجي صعب عبر الجراحة المفتوحة. إلا أن وحدة المناظير المتقدمة بادرت بخيار مبتكر عبر منظار الموجات الصوتية لتشخيص الحالة بدقة، ثم اتخاذ قرار جريء بإجراء منظار قنوات مرارية لاستئصال الورم بالكامل. هذا التحول الاستراتيجي في خطة العلاج جسّد شجاعة الفريق الطبي وحرصه على حياة المريض، في خطوة أنقذت الرجل من معاناة جراحة كبرى ومضاعفاتها المحتملة.
العملية التي لم تستغرق أكثر من نصف ساعة كانت بمثابة ملحمة طبية صغيرة. داخل غرفة العمليات، قاد الجهود كل من د. هشام الوكيل استشاري مناظير الجهاز الهضمي ود. محمد زكريا استشاري مناظير الجهاز الهضمي، ومعهما طاقم التخدير والتمريض المتميزين. العمل تم بروح الفريق الواحد، حيث تكاملت الأدوار بين الأطباء والمساعدين لضمان أعلى درجات الدقة والأمان. النتيجة كانت مذهلة: استئصال كامل للورم من دون جرح أو تدخل جراحي، الأمر الذي اعتبره الحاضرون نقلة نوعية في التعامل مع مثل هذه الحالات المعقدة.
خرج المريض من غرفة العمليات بحالة مستقرة، وجرى وضعه تحت الملاحظة لمدة يوم واحد فقط. في صباح اليوم التالي، غادر المستشفى متعافيًا وبصحة جيدة دون أن يعاني من أي مضاعفات. هذه النتيجة السريعة عكست بوضوح حجم الإنجاز الذي تحقق، ورسخت أهمية الاعتماد على تقنيات المناظير كخيار علاجي فعال. لقد تحولت لحظة الخطر إلى انتصار طبي بفضل المهارة والخبرة، ما جعل القصة حديث العاملين بالمستشفى ومصدر فخر للقطاع الصحي كله.
بدوره، أكد الدكتور مصطفى القاضي، مدير المستشفى، أن ما جرى لم يكن مجرد نجاح لعملية معقدة، بل هو انعكاس حقيقي لرؤية المستشفى في أن يكون مركزًا متميزًا للتعليم الطبي والتطبيق العملي. وأشاد القاضي بالدور الكبير الذي لعبه الأطباء وفريق التمريض والتخدير، معتبرًا أن العمل الجماعي والتجهيزات الحديثة هما السلاح الحقيقي لمواجهة أصعب الحالات. وأضاف أن هذه التجربة تؤكد التزام المستشفى برفع مستوى الخدمات الطبية بما يتماشى مع المعايير العالمية.
لا يمكن إغفال دور الفريق الطبي بالكامل، فخلف هذا النجاح تقف جهود مضنية من د. هشام الوكيل، ود. محمد زكريا، إلى جانب الطاقم المساعد من أطباء الوحدة، وأطباء التخدير، والتمريض. هؤلاء جميعًا جسّدوا صورة مشرفة لروح الإخلاص والتفاني، وأثبتوا أن النجاح لا يتحقق إلا عندما تتكاتف الأيدي وتتوحد الرؤية. هذه العملية لم تكن مجرد إجراء طبي، بل رسالة قوية أن مصر تمتلك عقولًا وكفاءات قادرة على تقديم خدمات طبية تضاهي أفضل المراكز العالمية.
من حالة خطرة تهدد حياة إنسان، إلى قصة نجاح ملهمة تبعث الأمل.. هكذا كتب أطباء مستشفى أحمد ماهر التعليمي فصلاً جديدًا في سجل الإنجازات الطبية. المنظار الذي أزال الورم لم يكن مجرد أداة، بل رمزًا لتطور الطب المصري ولإصرار الأطباء على مواجهة المستحيل. هذه التجربة تؤكد أن العلم حين يقترن بالإرادة والعمل الجماعي، يصبح قادرًا على تحويل الألم إلى حياة، والخطر إلى فرصة جديدة للتنفس والأمل.