عبدالرحيم عبدالباري
في خطوة استراتيجية تمثل امتدادًا لرؤية مصر في تحقيق العدالة الصحية وتوفير خدمات طبية متكاملة لجميع المواطنين، أعلنت وزارة الصحة والسكان عن انطلاق أعمال فرق التقييم الميداني الشامل بمحافظة المنيا. تأتي هذه الخطوة في إطار الإعداد لتنفيذ المرحلة الثانية من منظومة التأمين الصحي الشامل، تنفيذًا لقرار رئيس مجلس الوزراء وتوجيهات الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان. هذه المبادرة ليست مجرد عملية إدارية، بل هي نقلة نوعية تعكس جدية الدولة في بناء منظومة صحية متطورة قادرة على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.

أوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة، أن الهدف من الحملة يتمثل في تقييم الوضع الصحي لجميع المنشآت الطبية بالمحافظة، بغض النظر عن تبعيتها. هذا التوجه يعكس إصرار الدولة على التعامل مع ملف الصحة باعتباره مسؤولية وطنية تتجاوز حدود المؤسسات الفردية. فالتقرير الذي سيصدر في ختام التقييم لن يقتصر على إحصاءات جامدة، بل سيكون خريطة حقيقية ترصد نقاط القوة والضعف وتحدد بدقة مدى جاهزية المنيا للانضمام إلى منظومة التأمين الصحي الشامل.
تعمل فرق التقييم الميداني وفق منهجية شاملة، حيث تشمل أعمالها مراجعة الحالة الإنشائية للمستشفيات والوحدات الصحية، وفحص التجهيزات الطبية والبنية التحتية، وتقييم الكوادر البشرية ومستويات التدريب، إضافة إلى رصد التوزيع الجغرافي للخدمات مقارنة بعدد السكان. هذه الرؤية المتكاملة تضمن أن تكون نتائج التقييم واقعية ومبنية على بيانات دقيقة، بعيدًا عن الوعود المستقبلية أو التصورات النظرية. وبذلك يصبح التقرير أداة تنفيذية فاعلة، تساعد صانع القرار على اتخاذ خطوات مدروسة نحو التطبيق العملي للمنظومة.
التنسيق المؤسسي كان حاضرًا بقوة في هذه المرحلة، إذ تضم فرق التقييم ممثلين عن الهيئات والقطاعات الصحية المختلفة، مثل الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، الهيئة العامة للرعاية الصحية، بالإضافة إلى قطاعات الطب العلاجي والوقائي والرعاية الصحية الأولية. كما شمل التنسيق جهات خارجية مثل المستشفيات الجامعية والقوات المسلحة، في خطوة تعكس شمولية الرؤية وحرص الدولة على توظيف جميع الموارد المتاحة لتحقيق الهدف الوطني الأسمى: نظام صحي متكامل يخدم المواطن دون تمييز.
الدكتورة رشا الشرقاوي، رئيس الإدارة المركزية للإدارة الاستراتيجية، أكدت أن عملية التقييم تعتمد على نموذج موحد يتناسب مع طبيعة كل منشأة وخدماتها. هذا النموذج يوازن بين الجوانب الفنية والإنشائية والبشرية والجغرافية، ليقدم صورة واقعية متكاملة عن قدرات كل مؤسسة صحية. كما أشارت إلى أن الحملة ستستمر أسبوعًا كاملًا، يتم خلاله المرور على جميع المراكز الإدارية بمحافظة المنيا وفق جدول زمني محكم، وهو ما يعكس جدية وشفافية المنهجية المتبعة.
من المتوقع أن تساهم هذه الخطوة في تعزيز ثقة المواطنين بالمنظومة الصحية الجديدة، حيث يعكس التقييم الميداني التزام الدولة بالشفافية والاعتماد على معايير دقيقة قبل البدء في التطبيق. هذا التوجه يضمن أن عملية دمج محافظة المنيا ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل ستكون قائمة على أسس علمية وعملية، ما يقلل من التحديات المستقبلية، ويعزز فرص نجاح التجربة. كما أن إشراك جميع الجهات الصحية يعكس روح الشراكة والتكامل التي باتت سمة بارزة في الإصلاح الصحي المصري.
الحملة ستختتم باجتماع مشترك لاعتماد التقارير النهائية، ثم رفعها إلى وزير الصحة والسكان تمهيدًا لاتخاذ القرارات التنفيذية. هذا الختام ليس نهاية المطاف، بل بداية لمرحلة جديدة تضع المنيا على أعتاب التحول إلى جزء فاعل من منظومة التأمين الصحي الشامل. ولعل الأهمية الحقيقية تكمن في أن هذه الخطوة ليست حدثًا منفصلًا، بل حلقة ضمن سلسلة من الجهود الوطنية لتحقيق حلم طال انتظاره: نظام صحي شامل يوفر حياة كريمة لكل مواطن مصري، ويضع الصحة في مقدمة أولويات الدولة.
إن انطلاق فرق التقييم الميداني بمحافظة المنيا يمثل نقطة تحول محورية في مسار تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل بمصر. هذه الخطوة، بما تحمله من دقة وشمولية وتعاون مؤسسي، تضع أسسًا راسخة لبناء منظومة صحية حديثة ترتكز على العدالة والكفاءة. وبينما تستعد المنيا للانضمام إلى هذه التجربة التاريخية، فإن مصر ترسل رسالة واضحة مفادها أن الصحة ليست رفاهية، بل حق أصيل لكل مواطن، وجزء لا يتجزأ من معادلة التنمية المستدامة.