عبدالرحيم عبدالباري
في مشهد يعكس جدية الدولة المصرية في تطوير القطاع الصحي وتحقيق العدالة الاجتماعية، ترأس الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة والسكان، اجتماعًا موسعًا بمقر الوزارة في العاصمة الإدارية الجديدة. جاء الاجتماع لمتابعة مسارين متوازيين من أبرز ركائز المنظومة الصحية: قرارات العلاج على نفقة الدولة، والمشروع القومي لإنهاء قوائم الانتظار للجراحات الحرجة. هذان المساران، وإن بديا منفصلين في ظاهر الأمر، إلا أنهما يمثلان معًا خطوة استراتيجية نحو بناء منظومة صحية حديثة وفعالة تضع المواطن في قلب الأولويات.

أكد الوزير في مستهل الاجتماع التزام وزارة الصحة بإرساء قواعد الحوكمة الرشيدة في قرارات العلاج على نفقة الدولة، من خلال اعتماد معايير طبية دقيقة، وضبط بروتوكولات العلاج. ويأتي ذلك في إطار رؤية أشمل لتقليل الهدر في الإنفاق العام، وتعظيم الاستفادة من الموارد المالية المتاحة. هذه الخطوة لا تعكس فقط حرص الدولة على ترشيد النفقات، بل تكشف أيضًا عن إصرارها على توجيه الدعم الطبي لمن يستحقه فعلًا، بما يضمن تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص الصحية بين المواطنين على اختلاف طبقاتهم.
الأرقام التي استعرضها الاجتماع تحمل دلالات مهمة، إذ كشف الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، عن إصدار ما يزيد على 4 ملايين قرار علاج على نفقة الدولة خلال العام المالي 2024/2025. هذه القرارات شملت طيفًا واسعًا من الأمراض والتدخلات الطبية المعقدة مثل الأورام، وجراحات المخ والأعصاب، وزراعة الكلى، وجراحات الأوعية الدموية، إضافة إلى الأطراف الصناعية والبتر. إن هذا الحجم الكبير من القرارات يشير بوضوح إلى حجم التحدي الصحي الذي تواجهه الدولة، لكنه يعكس في الوقت ذاته قوة الإرادة السياسية لمواجهته بجرأة.
٩
أما المشروع القومي لإنهاء قوائم الانتظار، فقد جاء ليترجم على أرض الواقع أحد أبرز وعود الدولة للمواطنين. فقد نجح البرنامج، وفق ما عُرض بالاجتماع، في خدمة أكثر من 352 ألف مريض خلال عام 2025، بمشاركة 513 مقدم خدمة طبية، وبتكلفة تجاوزت 28 مليار جنيه. ورغم ضخامة الرقم المالي، فإن القيمة الإنسانية التي عكستها المبادرة أكبر بكثير، إذ تعني إنقاذ حياة مئات الآلاف من المرضى، ومنحهم فرصة جديدة للشفاء بعيدًا عن معاناة الانتظار الطويل.
هذا المشروع لم يكن ليحقق نجاحه لولا التعاون الوثيق بين المستشفيات الحكومية والخاصة والجامعية، حيث شارك في المبادرة 511 مستشفى على مستوى الجمهورية. هذه المشاركة الواسعة أكدت أن العمل الصحي في مصر لم يعد قائمًا على جهد وزارة بعينها، بل على منظومة شراكات متكاملة تستثمر كل الموارد المتاحة. كما جسّد المشروع فلسفة التكامل بين مختلف مكونات القطاع الصحي، بما يعزز مفهوم الدولة الحديثة التي توحد الجهود تحت هدف وطني مشترك.
ولأن التطوير المؤسسي لا يكتمل دون تحديث أدوات المتابعة، فقد أطلقت الوزارة نظامًا مميكنًا لتسجيل الشكاوى والطلبات عبر الخط الساخن 15300. هذا النظام استقبل ما يقارب 349 ألف طلب، وهو ما يعكس استجابة المواطنين وثقتهم المتزايدة في المنظومة الجديدة. كما أسهمت الميكنة في تعزيز الشفافية وحوكمة الإجراءات، عبر تتبع الطلبات وتحديد أولويات التدخل العلاجي بدقة أكبر، الأمر الذي يمنح المرضى شعورًا بالاطمئنان والثقة في سرعة الاستجابة.
لم تقتصر النتائج على أرقام وإجراءات إدارية، بل امتدت إلى أثر ملموس على حياة المرضى وأسرهم. فقد ساعد المشروع على تسريع الإجراءات الجراحية، وتقليل فترات الانتظار، وتحسين معدلات الشفاء، بما يخفف من المعاناة الجسدية والنفسية والمالية. كما استثمرت الوزارة في تدريب الأطباء ورفع كفاءتهم عبر التخصصات الدقيقة، فضلًا عن تطوير البنية التحتية للمستشفيات وتجهيزها لتلبية متطلبات الحالات الحرجة. إن هذه الجهود مجتمعة تعكس رؤية استراتيجية تعتبر الصحة حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، وليست مجرد خدمة تقدم عند الحاجة.
إن اجتماع الدكتور خالد عبدالغفار وفريقه القيادي لم يكن مجرد متابعة إجرائية لملفات صحية، بل كان تجسيدًا لرؤية شاملة تضع صحة المواطن على رأس الأولويات. بين نفقة الدولة وإنهاء قوائم الانتظار، ترسم وزارة الصحة خريطة جديدة للقطاع الصحي المصري، قائمة على العدالة، الكفاءة، والتكامل. هذه الخريطة قد تكون البداية لمرحلة يتحول فيها الحلم برعاية صحية عادلة وفعالة إلى واقع يلمسه كل مواطن، ويثبت أن مصر ماضية بثبات نحو بناء نظام صحي عصري يليق بمكانتها وتطلعات شعبها.