في ظلّ اختلاط الفرحة بالترقب، بعد توقف دويّ القنابل وإعلان وقف إطلاق النار، يتنفس العالم هواءً جديدًا من الأمل. والعالم بأسره متأهبٌ ليرى قوافل الحياة تدخل إلى غزة، حاملةً في طياتها الغذاء والدواء، من كافة المعابر دون شرط أو قيود، وبنفس الكميات التي نص عليها الاتفاق، لتعيد شيئًا من الإنسانية إلى أرض أنهكها الحصار والتدمير. في هذه اللحظة التاريخية الفاصلة، يصدر الحقوقي والمحلل البارز، الباحث في الشأن العربي والدولي، نبيل أبوالياسين، بيانه الصحفي الاستثنائي، ليضع الحقائق في نصابها، ويذكّر العالم بأن وقف القتل هو بداية الطريق وليس نهايته.
السلام.. لا يعني غفران الجريمة
وأكد نبيل أبوالياسين في بيانه أن فرحة وقف إطلاق النار، رغم حاجتها الملحة، لا يجب أن تطمس ذاكرة الدماء أو تدفن جرائم الماضي. وشدد على أن “السلام لا يعني أبدًا أن ننسى جريمة الإبادة والتجويع التي طالت آلاف الأبرياء”، معتبرًا أن أي اتفاق هدنة بين “حماس” وإسرائيل لا يمكن أن يكون مبررًا لـ”الإفلات من العقاب”. وأوضح أبوالياسين أن “الفاعلين الرئيسيين في الإبادة الجماعية في غزة، من قادة سياسيين وعسكريين، يجب أن يواجهوا المساءلة القضائية العادلة، فالكلمة الفصل ستكون لمحكمة العدل الدولية، ولن نسمح بأن تمر هذه الجريمة في طي النسيان.
القضية مستمرة.. جنوب أفريقيا تؤكد: لا عفو عن مجرمي الحرب
وأفاد أبوالياسين بأن تحذيراته من “الإفلات من العقاب” تجد صدىً قويًا على الأرض، مُشيرًا إلى التصريح التاريخي للرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا الذي أكد أن اتفاق وقف إطلاق النار “لن يكون له أي تأثير على قضية بلاده ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية”. ووضح أبوالياسين أن هذا الموقف يُعتبر ضمانة دولية وقانونية مهمة تُحبط أي محاولة لاستخدام الصفقة السياسية كستار للتنصل من المساءلة، مؤكدًا أن دعوى جنوب أفريقيا ستستمر في فضح جرائم الإبادة الجماعية وتجريم مرتكبيها أمام المجتمع الدولي، بغض النظر عن تطورات المفاوضات على الأرض.
أردوغان: إعادة إعمار غزة وتحذير لإسرائيل
ولفت أبوالياسين إلى التصريحات التاريخية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي تعهد بحشد دعم دولي واسع النطاق من دول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا لإعادة إعمار القطاع المدمر. وأشار إلى أن أردوغان، وفي قراءة واقعية، حذر إسرائيل من دفع “ثمن باهظ إذا أعادت الإبادة الجماعية مرة أخرى”، مستندًا في ذلك إلى سجل إسرائيل السيئ في الالتزام بوقف إطلاق النار، مما يقتضي – حسب تأكيد أردوغان – رقابة صارمة من المجتمع الدولي لضمان تنفيذ الاتفاقيات. واعتبر أبوالياسين هذا الموقف التركي داعمًا رئيسيًا للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية.
صورة مشرقة.. أخلاق المقاومة في مواجهة وحشية الاحتلال
وأشار أبوالياسين إلى التناقض الصارخ الذي كشفته عملية تبادل الأسرى، مستشهدًا بتصريحات عائلات الأسرى الإسرائيليين أنفسهم للعالم بأسره، التي أكدت أن أبناءهم “عادوا دون أن يصيبهم ضرر رغم استمرار الحرب”. ووضح أن هذا التعامل الإنساني من حركة “حماس” يقف على النقيض تمامًا من حال الأسرى الفلسطينيين الذين عادوا من سجون الاحتلال وهم يحملون آثار التعذيب والإهانة، حيث ذكر بعضهم أنهم “كانوا يعاملونا بشكل سادي وغير إنساني”، مما يرسخ صورة واضحة عن أخلاقيات المقاومة في وجه وحشية دولة احتلال لا تحترم المواثيق الدولية ولا القيم الإنسانية.
ترامب.. اعترافات بالجريمة وسخرية تليق بـ”لص دولي”
وشدد أبوالياسين على أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قدم، ربما من حيث لا يدري، أعظم الأدلة ضد إسرائيل وحليفته الولايات المتحدة. ولفت إلى أن اعتراف ترامب الصريح في الكنيست الإسرائيلي بأن “نتنياهو كان يتصل بي ويطلب شتى أنواع الأسلحة الفتاكة التي لم اسمع عنها من قبل وكنت أرسلها له.. وأنتم أحسنتم استخدامها” هو إقرار رسمي بالمشاركة المباشرة في جريمة الإبادة، وسيسجل في ملف قضية الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية. كما هاجم أبوالياسين بأسلوب لاذع التصريحات الاستهزائية لترامب والتي وصفها بـ”الهمجية”، حين سخر من قادة مصر والعالم العربي قائلًا إنه لن يجد في القمة سوى “أفقر اثنين”، متسائلاً: هل يعقل أن يصدر هذا من رئيس دولة يُنظر إليها كزعيمة للعالم؟ هذه سخرية سافرة لا تصدر إلا من لص دولي أو معتوه مختل.
الطريق إلى الأمام: محاسبة وإعمار وليس إفلاتًا من العقاب
وذكر أبوالياسين أن اللحظة الراهنة تتطلب تحركًا جادًا على عدة مسارات. أولها، المضي قدمًا في ملاحقة مجرمي الحرب قضائيًا، وعدم السماح بمرور الوقت على جريمة الإبادة. ثانيها، أن تتحمل إسرائيل، كونها الطرف المدمر، الجزء الأكبر من تكاليف إعادة إعمار ما دمرته في غزة، بدلاً من تحميل دول الخليج والاتحاد الأوروبي الفاتورة كما حدث دائمًا. ثالثها، وأهمها، الضغط من أجل خريطة طريق حقيقية تؤدي إلى حل الدولتين، وليس مجرد “عملية سلام” عقيمة لإضاعة الوقت، مؤكدًا أن غزة ستظل مشروعًا إنسانيًا أبديًا للفلسطينيين، ولن تتحول أبدًا إلى “مشروع عقاري” لإسرائيل.
وختم نبيل أبوالياسين بيانه الصحفي التاريخي قائلاً:
ها هو ترامب نفسه يفضحهم في محرابهم الأقدس، الكنيست، يتباهى بإرسال أسلحة لم يسمع بها العالم من قبل، ويشيد بـ”براعة” إسرائيل في استخدامها! إنه يستعرض بفخر القنابل التي مزقت أجساد أكثر من 65 ألف فلسطيني اغلبهم من الأطفال، وسط ضحكات قادة الاحتلال الصهاينة. ومن المذهل حقًا كيف يسخر القتلة من ضحاياهم ومن العالم أجمع بعد ارتكاب أبشع جريمة إبادة جماعية يشهدها القرن الحادي والعشرون. إن الإفلات من العقاب الذي يتمتعون به أمر يثير الاشمئزاز، وتقوم آلة إعلامية بتطبيع جرائمهم. بينما في عالمٍ يحترم القانون والإنسانية، كان من المفترض أن يُحاكموا ويُشنقوا في ساحة عامة كموسوليني. لكن غزة، بشعبها وصمودها، ستظل الشاهد الأبدي على جريمتهم، وستكون الذاكرة الحية التي تضمن ألا يضيع حق وراءه مطالب.