عبدالرحيم عبدالباري
في خطوة غير مسبوقة تعكس التحول الجذري في فلسفة الرعاية الصحية، أطلقت وزارة الصحة والسكان أول برنامج لتأهيل «مسؤولي إشراك المرضى» بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، لتجعل من المريض شريكًا فعليًا في صناعة القرار العلاجي، لا مجرد متلقٍ للخدمة. هذه المبادرة النوعية تأتي امتدادًا لرؤية الدولة في بناء منظومة صحية قائمة على الجودة، والإنسانية، والمشاركة المجتمعية، بما يتماشى مع أهداف «رؤية مصر 2030» التي تضع المواطن في قلب عملية التنمية والاهتمام بالصحة كأحد ركائزها الأساسية.
أكد الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، أن البرنامج يأتي استجابة لتوجهات الدولة المصرية في تعزيز مفهوم «المريض شريك في الرعاية»، وهو مبدأ عالمي يهدف إلى تمكين المريض من فهم خياراته العلاجية والمشاركة في اتخاذ قراراته الصحية. التعاون مع منظمة الصحة العالمية يعكس التزام مصر بتطبيق المعايير الدولية في مجال سلامة المرضى والرعاية المتمركزة حول احتياجاتهم، كما يمثل خطوة تعزز من ثقة المواطن في المنظومة الصحية الوطنية وتضمن تقديم خدمة آمنة ذات جودة مستدامة.
وأوضح الدكتور محمد حساني، مساعد وزير الصحة والسكان لشئون مشروعات ومبادرات الصحة العامة، أن البرنامج يمثل انطلاقة نوعية في مجال تحسين جودة الخدمات الطبية. فالمبادرة لا تقتصر على تدريب الكوادر فقط، بل تهدف إلى بناء ثقافة جديدة داخل المنشآت الصحية، تقوم على الشفافية، والتواصل الفعّال، واحترام تجربة المريض. ويُعد هذا التحول جزءًا من الخطة الوطنية لتطوير منظومة سلامة المرضى، حيث يسهم البرنامج في إعداد كوادر قيادية قادرة على تفعيل آليات إشراك المرضى وأسرهم في تحسين الخدمة الصحية بشكل علمي وممنهج.
من جانبه، أوضح الدكتور جلال الشيشيني، رئيس الإدارة المركزية لجودة الرعاية الصحية، أن البرنامج يرسخ علاقة الثقة بين المريض وفريق الرعاية الصحية، من خلال إدماج المرضى في تقييم الخدمات وتحديد أولويات التحسين داخل المستشفيات. وأشار إلى أن المرحلة الأولى شملت محافظات القناة وشمال سيناء بمشاركة 25 متدربًا يمثلون الدفعة الأولى من مسؤولي إشراك المرضى المعتمدين. هؤلاء المتدربون سيشكلون نواة تطبيق المفهوم الجديد على مستوى الجمهورية، بما يخلق منظومة أكثر استجابة وشفافية في التعامل مع المواطنين داخل المنشآت الصحية.
وتابع الشيشيني أن التدريب، الذي تم بدعم فني مباشر من منظمة الصحة العالمية، شمل موضوعات متعددة أبرزها إشراك المجتمع في سلامة المرضى، ودعم الفئات الأكثر احتياجًا، وبناء المجالس الاستشارية للمرضى وأسرهم داخل المستشفيات. كما تم استعراض أهداف خطة العمل العالمية لسلامة المرضى (2021-2030)، التي تسعى إلى خفض الأخطاء الطبية وتحسين نتائج الرعاية الصحية عالميًا. هذا التعاون الدولي يؤكد مكانة مصر كمركز إقليمي رائد في تبني سياسات سلامة المرضى والابتكار في إدارة الرعاية.
وفي سياق متصل، أشارت الدكتورة مروة السيد، مدير الإدارة العامة لسلامة المرضى، إلى أن البرنامج يعد بداية لسلسلة من المبادرات التدريبية المماثلة المزمع تنفيذها في مختلف المحافظات، بهدف ترسيخ ثقافة المشاركة وتحسين جودة الخدمات الصحية. وأكدت أن إشراك المواطن في قرارات الرعاية لا يُعد ترفًا إداريًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان الشفافية وتقليل المخاطر وتعزيز نتائج العلاج. بهذه الخطوة، تمهد وزارة الصحة الطريق لمنظومة أكثر إنسانية، تضع «المريض أولًا» كقيمة عليا في مستقبل الرعاية الصحية في مصر.
ختامًا، يمثل إطلاق برنامج «مسؤولي إشراك المرضى» ثورة فكرية في بنية النظام الصحي المصري، تنقل الرعاية من مفهوم الخدمة إلى مفهوم الشراكة. فحين يصبح المريض جزءًا من القرار، تتحول المنظومة إلى كيان نابض بالثقة والمسؤولية المتبادلة. إنها خطوة تعبّر عن مصر الجديدة التي تضع الإنسان في صدارة الاهتمام، وتسير بخطى واثقة نحو تحقيق معايير الصحة العالمية في كل مستشفى ومركز طبي على أرضها.