عبدالرحيم عبدالباري
في خطوة حازمة تعكس جدية الدولة المصرية في حماية مواطنيها من فوضى الممارسات الطبية غير المشروعة، أعلنت وزارة الصحة والسكان إغلاق أربعة مراكز غير مرخصة لعلاج الإدمان والطب النفسي في منطقة أبو النمرس بمحافظة الجيزة. هذه المراكز التي اتخذت من علاج الإدمان ستارًا للربح غير المشروع، تحولت إلى بؤر تهدد حياة المرضى بدلاً من إنقاذهم. وجاء القرار تنفيذًا لتوجيهات الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، بتكثيف الرقابة على المنشآت الطبية لضمان التزامها الكامل بالقانون ومعايير السلامة الصحية.
تأتي هذه الحملة الرقابية المكثفة في إطار استراتيجية شاملة تتبناها وزارة الصحة لمواجهة ظاهرة المراكز غير المرخصة التي تنتشر تحت شعارات “علاج الإدمان” و“إعادة التأهيل”، بينما تمارس أنشطة مخالفة للقانون وتفتقر إلى الحد الأدنى من معايير الرعاية الطبية. وقد أثبتت التجارب أن تلك المراكز الوهمية لا تقدم علاجًا حقيقيًا، بل تتاجر بآلام المرضى وأسرهم، مما استدعى تحركًا عاجلًا من أجهزة الدولة لوضع حد لهذه الفوضى. إن قرار الإغلاق يمثل حماية للإنسان قبل أن يكون إجراءً إداريًا، فهو يضع حياة المواطن فوق كل اعتبار.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن لجنة التفتيش التي نفذت الحملة ضمت إدارة العلاج الحر بمديرية الشؤون الصحية بالجيزة، بالتعاون مع مباحث أبو النمرس ومجلس المدينة، وأسفرت جهودها عن ضبط أربع منشآت مخالفة تمارس نشاط علاج الإدمان دون ترخيص. وقد شملت الحملة مراكز “نيو واي”، و“طريق الحرية”، و“الحرية”، و“الأمل” للطب النفسي وعلاج الإدمان. جميع هذه المنشآت كانت تعمل في الخفاء خارج إطار القانون، ما جعلها قنابل موقوتة تهدد حياة المرضى بما تفتقر إليه من مقومات السلامة والرقابة الطبية.
وأشار المتحدث الرسمي إلى أن هذه المراكز تنتهك أحكام قانون تنظيم المنشآت الطبية غير الحكومية رقم (51) لسنة 1981 والمعدل بالقانون رقم (153) لسنة 2004، إضافة إلى مخالفتها لقانون الصحة النفسية رقم (71) لسنة 2009. كما أثبتت المعاينات الميدانية افتقارها لأبسط الاشتراطات الصحية ومعايير مكافحة العدوى، فضلًا عن غياب الإجراءات الاحترازية المطلوبة لحماية النزلاء من الأمراض المعدية. الأخطر من ذلك أن هذه المراكز تُدار من قبل أشخاص غير مؤهلين طبيًا، بعضهم من المتعافين من الإدمان، دون إشراف طبي متخصص أو تراخيص معتمدة، ما يمثل تهديدًا مباشرًا لحياة المرضى وسلامتهم.
وفي تعليقه على نتائج الحملة، أكد الدكتور هشام زكي، رئيس الإدارة المركزية للمؤسسات العلاجية غير الحكومية والتراخيص، أن الوزارة لا تتهاون مع أي منشأة تزاول النشاط الطبي خارج الإطار القانوني، وأنها تتخذ إجراءات صارمة تصل إلى الإغلاق الفوري والإحالة إلى النيابة العامة. وشدد على أن الوزارة ماضية في تكثيف حملاتها الرقابية الدورية، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والجهات المحلية، لضمان التزام جميع المنشآت بالمعايير الصحية، وحماية المرضى من أي ممارسات غير آمنة. فالهدف ليس العقاب فقط، بل ضمان تقديم خدمة طبية حقيقية تحترم كرامة الإنسان وتحافظ على صحته.
تعكس هذه الجهود صورة الدولة التي لا تتهاون مع المتاجرين بأوجاع الناس، وتؤكد أن مكافحة الإدمان لا تقتصر على العلاج الطبي فقط، بل تشمل حماية المنظومة من العبث والاستغلال. فالإدمان قضية وطنية تحتاج إلى تكاتف مؤسسات الدولة، من الصحة إلى الأمن إلى المجتمع المدني، لضمان أن تكون رحلة العلاج آمنة ومبنية على أسس علمية وإنسانية. ومن خلال هذه الإجراءات، تؤكد وزارة الصحة أن “الرقابة لا تقل أهمية عن العلاج”، وأن حماية المريض هي واجب وطني مقدس لا يُسمح بالتهاون فيه تحت أي ظرف أو مبرر.
بهذا القرار الحاسم، تؤكد وزارة الصحة أن طريق الإصلاح الصحي في مصر لا يعرف المجاملة، وأن حماية المواطن من الغش الطبي والإهمال المهني تأتي في صدارة أولويات الدولة. فإغلاق المراكز غير المرخصة في أبو النمرس ليس نهاية المعركة، بل بداية لمرحلة جديدة من الانضباط والرقابة، حيث لا مكان لمراكز تعمل في الظل أو تستغل حاجات الضعفاء. إنها رسالة واضحة: “الصحة ليست تجارة، والعلاج ليس بابًا للربح، بل حق مقدس لكل مواطن”. ومع كل حملة رقابية جديدة، تُغلق أبواب الفوضى وتُفتح نوافذ الأمل نحو منظومة صحية أكثر أمانًا وإنسانية.