عبدالرحيم عبدالباري
في أجواء عالمية تزخر بروح العمل المشترك ورؤية الدولة نحو تعزيز قدرات الإنسان، شهدت النسخة الثالثة من المؤتمر العالمي للسكان والصحة والتنمية البشرية (PHDC’25) حدثًا محوريًا يعكس التزام مصر بتطوير منظومتها الصحية والأكاديمية. فقد تم توقيع البروتوكول رسميًا بين الأستاذ الدكتور محمود صديق، نائب رئيس جامعة الأزهر، والدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة والسكان، وذلك بحضور الدكتور خالد عبد الغفار نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة والسكان. وجاء التوقيع برعاية كريمة من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليؤسس لشراكة استراتيجية تُجسد شعار المؤتمر «تمكين الأفراد، تعزيز التقدم، إتاحة الفرص» خلال الفترة من 12 إلى 15 نوفمبر الجاري.
وتعكس هذه الشراكة الجديدة إدراك الدولة لأهمية الاستثمار في الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة والتعليم الطبي، باعتبارها ركائز أساسية لإحداث تحول حقيقي في جودة حياة المواطن. وبإشراك جامعة الأزهر، بما تحمله من ثقل علمي ورصيد مجتمعي واسع، تتسع دائرة التأثير لتصل إلى فئات جديدة تحتاج إلى التوعية والخدمات، في إطار رؤية وطنية تمتد جذورها إلى تطوير الإنسان قبل كل شيء. ويأتي البروتوكول ليعزز دور المؤسسات الأكاديمية في الإسهام المباشر في النهضة الصحية، عبر تدريب وتأهيل الكوادر، وتقديم خدمات متكاملة تدعم احتياجات المجتمع المصري.
ويمثل البروتوكول خطوة نوعية لتعزيز التكامل بين وزارة الصحة وجامعة الأزهر، إذ يتضمن تنفيذ برامج تدريبية مستمرة تهدف إلى تطوير مهارات الولادة الطبيعية باستخدام أحدث الأدوات الطبية مثل البارتوجرام. كما يسعى إلى الحد من القيصريات غير المبررة، عبر تطبيق معايير روبسون العالمية، بما يضمن اتخاذ القرارات المبنية على الأدلة وتحسين نتائج صحة الأم والطفل. وتؤكد هذه الجهود حرص المنظومة الصحية على الارتقاء بمستوى الرعاية المقدمة، والتقليل من المضاعفات المرتبطة بالولادات القيصرية غير الضرورية، في خطوة تتسق مع خطط الدولة لخفض نسبها محليًا وعالميًا.
كما يشمل البروتوكول برنامجًا موسعًا لتعزيز خدمات تنظيم الأسرة داخل عيادات جامعة الأزهر، من خلال تقديم المشورة الأسرية السليمة، وإتاحة وسائل منع الحمل الآمنة، وتدريب مقدمي الخدمة على أحدث أساليب التواصل والإرشاد الصحي. ويُعد دمج خدمات تنظيم الأسرة داخل البيئة الجامعية خطوة استراتيجية تعزز الوعي بين الشباب، وتخلق ثقافة صحية أكثر نضجًا حول قضايا الإنجاب، والتخطيط الأسري، والمسؤولية المجتمعية، بما ينعكس بصورة مباشرة على تحسين مؤشرات التنمية البشرية.
ويمتد التعاون ليشمل دعم مبادرة “الحضانات الصديقة للأم والطفل”، التي تُعد نقلة نوعية في رعاية الأطفال المبتسرين وحديثي الولادة. وتركز المبادرة على الدمج بين الرعاية الطبية المتقدمة وممارسات تعزيز الارتباط العاطفي بين الأم ووليدها، بما يشمل التغذية الطبيعية والمتابعة الدقيقة للنمو العصبي. وتأتي هذه الخطوة تأكيدًا على أن السنوات الأولى من حياة الطفل تُعد محورًا بالغ الأهمية في تشكيل صحته الجسدية والعقلية مستقبلًا، وهو ما يتسق مع توجه الدولة لدعم الألف يوم الذهبية باعتبارها مرحلة حاسمة في النمو والازدهار.
وفي إطار تطوير التعليم الطبي، يقترح البروتوكول تحديث مناهج جامعة الأزهر في تخصصات الصحة العامة، النساء والتوليد، وطب الأطفال، من خلال إدماج مفاهيم الألف يوم الذهبية، أساليب تقييم النمو العصبي، ومبادئ الصحة الإنجابية. ويهدف هذا التحديث إلى إعداد جيل جديد من الأطباء قادر على مواجهة التحديات الصحية الأكثر تأثيرًا في المجتمع، بما يجمع بين المعرفة العلمية الحديثة والمهارات الميدانية الدقيقة، وهو ما يعزز دور الجامعة في إنتاج كوادر صحية تمتلك الأدوات اللازمة لتحقيق التنمية المستدامة.
كما يشمل التعاون دعم التغطية الصحية الشاملة عبر تعزيز خدمات الجامعة وربطها بما تقدمه وزارة الصحة، لضمان وصول الطلاب والمواطنين المحيطين بخدمات متطورة في مجال الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة. ويعد ذلك خطوة مهمة لتخفيف العبء عن المنشآت الصحية الحكومية، وتوسيع نطاق تقديم الخدمات عالية الجودة، في إطار استراتيجية وطنية تهدف إلى تحسين فرص الحصول على الرعاية الصحية وزيادة الوعي المجتمعي.
وفي ختام هذا الحدث البارز، يؤكد البروتوكول أن مصر تواصل بثبات بناء منظومة صحية متطورة تُعلي من شأن الإنسان وتمنحه أدوات التمكين الحقيقي. ومن خلال التعاون بين وزارة الصحة وجامعة الأزهر ضمن فعاليات PHDC’25، تبرز الدولة نموذجًا متقدمًا للشراكة الداعمة للتنمية البشرية، وترسم ملامح مستقبل أكثر صحة واستدامة وازدهارًا للأجيال القادمة.