في قاعة واحدة، اجتمع من يملكون رؤوس الأموال مع من يملكون رؤوس التقنية، وحولهم من يملكون قرارات السياسة. هناك، حيث تلتقي طموحات المملكة العربية السعودية بقوة الشركات الأمريكية التكنولوجية، أطلق إيلون ماسك، رجل الأعمال الأكثر جرأة في عصرنا، تصريحًا يختصر حلم البشرية بأكمله: “الفقر مشكلة هندسية”. في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي، لم تكن الأرقام الفلكية للاستثمارات هي الصادمة الوحيدة، بل كانت الرؤية التي طرحها ماسك لمستقبلٍ بلا فقر، يعيش فيه البشر في رفاهية تامة، والعمل فيه نشاطٌ اختياري لا حاجةٌ قسرية. هذه هي قصة التحالف الذي قد يغير وجه العالم.
رؤية عملاق التنكولوجيا الجرئية: نهاية الفقر والعمل الإلزامي
والفت هنا إلى وسط أنظار الحضور في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي، رسم إيلون ماسك لوحة لمستقبل يبدو خياليًا، لكنه – من وجهة نظره – قادم لا محالة. حيث أكد أن التطور السريع في الذكاء الاصطناعي والروبوتات البشرية، مثل روبوت “أوبتيموس” الذي تطوره شركة تسلا، سيقود العالم إلى مستقبل تختفي فيه الحاجة إلى العمل التقليدي. وقال ماسك إن هذه التقنيات “ستقضي فعلياً على الفقر”، مشيراً إلى أن الطريق الوحيد لجعل الجميع أثرياء هو من خلال التكنولوجيا. وتوقع أن يتحول العمل إلى نشاط اختياري، شبيه بالهواية أو الرياضة، يمكن للناس ممارسته فقط إذا أرادوا ذلك، وذلك في إطار زمني يمتد من 10 إلى 20 عاماً من الآن.
ولم يتوقف ماسك عند هذا الحد، بل ذهب بخياله إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن المال نفسه سيصبح في نهاية المطاف بلا قيمة في عالم تُديره الروبوتات وتُنتج فيه السلع بوفرة. ولإيضاح فكرته، أوصى الناس بقراءة سلسلة “كالتشر” للكاتب إيان بانكس، التي تصوغ عالماً مستقبلياً إيجابياً لم يعد المال موجوداً فيه. هذه الرؤية المثالية، التي وصفها موقع “غيزمودو” التقني بأنها “الأكثر سخائية”، تثير تساؤلات جوهرية حول آلية توزيع هذه الثروة المتوقعة ومن سيمول حياة الناس في هذا النظام الاقتصادي الجديد.
رؤية إنفيديا المعاكسة: مستقبل أكثر انشغالاً
على المنصة نفسها، وقف جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، ليقدم رؤية أكثر توازناً، وإن كانت لا تقل عن رؤية ماسك حماسة للمستقبل. بينما رأى ماسك أن الذكاء الاصطناعي سيحرر البشر من العمل، رأى هوانغ أنه سيجعلهم أكثر انشغالاً. وعبر هوانغ عن رأي معاكس تماماً لفكرة اختفاء الوظائف، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي والأتمتة ستمكن البشر من تحقيق المزيد من أهدافهم. وقال: “أتوقع أن يصبح إيلون أكثر انشغالاً بسبب الذكاء الاصطناعي، وأنا أيضاً سأصبح أكثر انشغالاً بسببه”.
وأوضح “هوانغ” أن السبب في هذا الانشغال المتوقع هو أن البشر يمتلكون “كما هائلاً من الأفكار” التي يودون تنفيذها، والعديد من المهام المؤجلة داخل الشركات التي يرغبون في إنجازها. وبتسارع الإنتاجية بفضل الذكاء الاصطناعي، سيتمكنون من الوصول إلى هذه الأهداف بشكل أسرع، مما سيدفع بهم إلى الانغماس في مهام وابتكارات جديدة. وخلُص هوانغ إلى أن كل الدلائل تشير إلى أن البشر “سنصبح أكثر إنتاجية، لكننا سنكون أيضاً أكثر انشغالاً، لأنه ببساطة لدينا الكثير من الأفكار”. هذه الرؤية تقدم نقيضاً مثيراً للاهتمام لنبوءة ماسك، حيث لا يختفي العمل بل يتحول ويتكاثر.
التحالف التقني: شراكة غير مسبوقة
وأشير في مقالي إلى لم تكن التصريحات الفلسفية حول المستقبل هي الحدث الوحيد في المنتدى، بل كانت مدعومة باتفاقيات ملموسة تهدف إلى ترجمة هذه الرؤى إلى واقع. فقد أعلن إيلون ماسك أن شركته xAI ستطور مركز بيانات ضخمًا في السعودية بالشراكة مع شركة “هيومان” السعودية المدعومة من الصندوق السيادي. وتبلغ القدرة المخطط لها لهذا المركز 500 ميغاواط، مما يجعله أول مركز بيانات كبير لشركة xAI خارج الولايات المتحدة. وكجزء من هذه الشراكة، سيتم نشر مساعد “جروك” الذكي التابع لشركة ماسك في جميع أنحاء السعودية.
ولم يكن ماسك وحده في هذه الشراكة، فقد جلس إلى جانبه على المنصة جنسن هوانغ، مؤسس إنفيديا، الذي أكد أن مراكز البيانات هذه ستعمل بشرائح إنفيديا. كما أعلن وزير الاتصالات السعودي عبد الله السواحة عن مركز بيانات آخر لشركة أمازون وبالقدرة نفسها، مع طموح للوصول إلى قدرة الجيغاواط، وسيعمل أيضاً على البنية التحتية لإنفيديا. هذه الاتفاقيات تمثل دليلاً مادياً على تحول السعودية إلى منصة إقليمية وعالمية لمراكز البيانات فائقة السعة، مستفيدة من طاقتها الرخيصة ومساحاتها الشاسعة، وهو ما يجيب عن ثلاثة احتياجات ملحة لتوسع الذكاء الاصطناعي: التمويل، والمساحة، والطاقة الرخيصة.
اتفاقيات تاريخية: من الرقائق إلى المقاتلات
في خلفية هذا المنتدى التقني، كانت تبرم اتفاقيات أوسع وأكثر عمقاً بين الولايات المتحدة والسعودية. فقد اختتم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان زيارته لواشنطن بحزمة واسعة من الاتفاقات العسكرية والاقتصادية، منها الإعلان عن رفع الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة إلى تريليون دولار، بعد أن كانت محددة سابقاً بـ 600 مليار دولار. وشملت هذه الاتفاقات شراكة دفاعية استراتيجية، وموافقة أمريكية على بيع مقاتلات F-35 المتطورة للسعودية، مما رفع من تصنيف المملكة إلى “حليف استراتيجي من خارج حلف الناتو”.
كما وقع البلدان إعلاناً مشتركاً حول اكتمال المفاوضات بشأن التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، مما يضع الأساس القانوني لشراكة طويلة الأمد بمليارات الدولارات. ولم يكن الذكاء الاصطناعي غائباً عن هذه الاتفاقيات، حيث وقّع الطرفان مذكرة تفاهم “رائدة” في هذا المجال، تمنح المملكة إمكانية الوصول إلى الأنظمة الأمريكية المتقدمة، وتوفر معالجات الذكاء الاصطناعي فائقة السرعة في المملكة. هذه الاتفاقيات، بمجملها، ترسم ملامح عهد جديد من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
واختم مقالي بالقول : بين الحلم والواقع تتركنا هذه التطورات بين مشهدين: الأول يحمل رؤية إيلون ماسك المثيرة لعالَمٍ ينعم فيه الجميع بالثراء، ويعملون فيه بمحض اختيارهم، والثاني يعكس التعقيدات الجيوسياسية والاقتصادية التي تحيط بالتحالف الذي سيدفع بهذا الاتجاه قدماً. إن الإعلانات التي شهدتها واشنطن – من مركز البيانات الضخم لشركة ” ماسك” إلى الاتفاقيات الاستراتيجية الشاملة – ليست مجرد صفقات تجارية، بل هي لبنات في صرح تحول عالمي. إنها تحاول الإجابة عن سؤال مركبي: هل يمكن للتكنولوجيا، مدعومة بإرادة سياسية ورأس مالية طائلة، أن تحل أعقد أزمات البشرية، ألا وهي الفقر؟ الجواب يبقى معلقاً بين شغف من يصدقون الحلم، وحسرة من يرون فيه كذبة سخيفة. لكن اليقين الوحيد هو أن العالم يشهد ولادة تحالف قوي، قد يغير وجه المنطقة – والعالم – في العقود القادمة.