إنه وفي لحظة مصيرية، تُمسك أوكرانيا بورقة السلام الأمريكية كمن يمسك جمراً، تُنذر بفقدان كرامة أمّة أو خسارة شريكٍ رئيسي. ليست مجرد خطة، بل محاكاة للاستسلام تُجبر كييف على التنازل عن سيادتها وأرضها ومستقبلها، بينما يعلو صوت بوتين من خلف الكواليس: هذا ما يمكن أن يكون أساساً للتسوية.
ضباب السلام وخيوط الاستسلام
تحت وطأة الشتاء القارس وتهديدات قطع الدعم، تجثو أوكرانيا أمام خيارين مرّين: قبول “النقاط الثماني والعشرين” التي تُجمد الدماء على مذبح التنازلات، أو خوض معركة وجودية بظل شريك يتلاشى. ليست هذه خطة سلام، بل صفقة تُعيد رسم خريطة أوروبا بدماء الأبرياء، حيث تتحول سيادة الدولة إلى سلعة في سوق المساومات. وحيداً يقف زيلينسكي يحذّر: حتى أقوى المعادن قابلة للكسر.
الوجع الأوكراني: بين مطرقة التهديد وسندان التنازلات
· مأزق كييف الوجودي: تواجه أوكرانيا ضغوطاً أمريكية غير مسبوقة لقبول الخطة قبل عيد الشكر، مع تهديدات بوقف الدعم العسكري والاستخباراتي إن ترددت . في كلمة مؤثرة، يصف زيلينسكي اللحظة بأنها “واحدة من أصعب اللحظات في تاريخنا”، ملقياً باللوم على موسكو التي “تحلم بإلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا” .
· بنود الاستسلام المُعلَن: تكشف الخطة عن شروط قاسية: انسحاب أوكراني من أراضٍ في دونيتسك ولوهانسك، تقليص الجيش إلى 600 ألف جندي، وتكريس الحياد الدستوري ورفض الانضمام للناتو إلى الأبد. الأكثر إيلاماً هو الاعتراف بسيادة روسيا على القرم والمناطق المتنازع عليها، ما يعني تجميد الصراع عند خطوط تماس تمنح موسكو مكاسب استراتيجية .
· الرفض الأوكراني الصامد: رغم الضغوط، تؤكد السفيرة الأوكرانية في واشنطن أن “تغيير الحدود ليس أمراً يُطرح على الطاولة”. ويواصل كبير المفاوضين التمسك بالخطوط الحمر، بينما ينفي مستشار زيلينسكي الموافقة على بنود الخطة من الأساس .
الكرملين والبيت الأبيض: لعبة القط والفأر
وأشير في مقالي إلى الترحيب الروسي المتحفظ : يصف بوتين الخطة بأنها “أساس لتسوية سلمية”، لكنه يربط قبولها بمرونة أوكرانيا وحلفائها. يُكرر الكرملين روايته بأن “الحل يتطلب نقاشاً موضوعياً”، بينما يتقدم جيشه على الأرض لتحقيق مكاسب تزيد من ضغطه التفاوضي .
· الضغط الأمريكي المُمنهج: يضع ترامب “الخميس موعداً نهائياً” مع إمكانية التمديد، متهماً الأوروبيين بالتورط في “أوهام” هزيمة روسيا. يدعم البيت الأبيض الخطة باعتبارها “وثيقة حية” تخدم الطرفين، رغم اعترافات داخلية بأنها صيغت بتكتم بين دبلوماسيين أمريكيين ونظيرهم الروسي من دون مشاركة أوكرانية فعلية .
أوروبا على خط النار: بين الدعم والهواجس
· قلق عنيف في العواصم الأوروبية: تُعارض القيادات الأوروبية أي حل يُفرض من خارج الإطار الأوروبي. تؤكد مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي أن “روسيا لا تملك حقاً في أي تنازلات من البلد الذي غزته”. وتُطالب ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بأن “تقرر أوكرانيا مصيرها بنفسها”.
· مشروع مضاد للخطة الأمريكية: تعمل كييف مع الترويكا الأوروبية على إعداد مقترح بديل، في إشارة إلى رفض الاستسلام لشروط تُهدد الأمن القاري برمته .
سلام أم تنازل مبطن؟ قراءة في بنود الخطة
واوضح في مقالي عن ما تُكشفه بنود الخطة من تناقض صارخ: · وعود اقتصادية مشروطة: تَعِد الخطة برفع العقوبات عن روسيا وعودتها إلى مجموعة الثماني، واستثمار الأصول الروسية المجمدة في إعادة إعمار أوكرانيا، لكن نصف أرباحها سيتجه إلى واشنطن .
· ضمانات أمنية هشة: تُقدم الضمانات الأمنية لأوكرانيا بعبارات غامضة، بينما تُفصّل العقوبات التي ستُفرض على كييف إذا ما “أطلقت صواريخ على موسكو” .
· تطبيع العلاقات الأمريكية الروسية: تشمل بنوداً لتمديد معاهدات الحد من الأسلحة النووية والتعاون الاقتصادي، ما يُعيد روسيا إلى الحظيرة الدولية من دون تكلفة تذكر.
عندما يصبح السلام غطاء للاستسلام
واختم مقالي بالقول ها هي أوكرانيا تقف على حافة الهاوية: إما أن تتنازل عن كرامتها وتقبل بتفكيك سيادتها في وثيقة تُسمى “سلاماً”، أو تواجه شتاءً قاسياً بجيش مُثقل وموارد مُستنزفة. الخطة الأمريكية ليست حلاً، بل إعلان وفاة للقانون الدولي، حيث تُكافأ الدولة المعتدية بالأراضي والشرعية، بينما تُعاقب الضحية بالتنازل عن حقها في الوجود. التاريخ سيسجل أن العالم وقف متفرجاً بينما تتحول دولة أوروبية إلى رهينة في صفقة قُدمت على طبق من فضة. إذا كان هذا هو السلام، فما الفرق بينه وبين الاستسلام؟.