عبدالرحيم عبدالباري
يشهد قطاع الصحة المصري مرحلة غير مسبوقة من التحول المؤسسي المدفوع بالإنجازات الرقمية والتوسعات العلاجية وتطوير البنية التحتية، مما يعكس رؤية واضحة نحو نظام صحي أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين. وفي هذا الإطار، اطّلع الأستاذ الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة والسكان، على تقرير متكامل حول أداء قطاع الطب العلاجي خلال شهر أكتوبر 2025، قدمه الدكتور بيتر وجيه، مساعد الوزير للطب العلاجي، بحضور قيادات الوزارة. وقد كشف التقرير عن طفرة كبرى في حجم الخدمات المقدمة وعدد المترددين، إلى جانب توسعات ضخمة في القدرات العلاجية داخل مختلف المحافظات، مما يؤكد أن القطاع يمضي بخطى ثابتة نحو منظومة صحية حديثة تعتمد على الكفاءة، والجودة، والحوكمة الرشيدة.

استعرض التقرير الذي قدمه قطاع الطب العلاجي صورة شاملة لحجم الخدمة المقدمة للمواطنين خلال أكتوبر 2025، حيث استقبلت المستشفيات أكثر من 9.5 مليون متردد بالعيادات الخارجية، إلى جانب استقبال 3 ملايين حالة في أقسام الطوارئ والاستقبال، فضلاً عن إجراء نحو 377 ألف عملية جراحية في تخصصات متنوعة. حجم هذه الأرقام يعكس اتساع نطاق الخدمة وتنوعها، كما يعكس قدرة المستشفيات على مواكبة الطلب المتزايد على الخدمات الطبية، خاصة مع الجهود المبذولة لتطوير أنظمة الفرز العاجل وتقليل فترات الانتظار. ويؤكد هذا الأداء أن القطاع لم يكتفِ بتحسين البنية التحتية، بل ركّز أيضًا على تعزيز كفاءة التشغيل وتوسيع نطاق الخدمة العلاجية بما يلبي احتياجات جميع الفئات.
أوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي للوزارة، في عرضه التفصيلي أن القطاع شهد مضاعفة أسرّة الرعاية المركزة، ووحدات السكتة الدماغية، إلى جانب إضافة وحدات غسيل كلوي جديدة مزودة بأحدث الأجهزة، وتركيب منظومات حديثة من أجهزة السونار ثلاثي ورباعي الأبعاد، التي تسهم في تحسين دقة التشخيص. كما شملت التوسعات تفعيل جراحات المخ والقلب المفتوح وتعزيز خدمات علاج أورام الثدي، بما يمثل نقلة مهمة في تقديم خدمات تخصصية دقيقة داخل مستشفيات الوزارة. وتدل هذه الطفرات على توجه واضح نحو الارتقاء بالأعمال المتقدمة التي كانت تتطلب في السابق الإحالة لمراكز متخصصة، وهو ما يعزز قدرة المنظومة على تقديم خدمات متقدمة داخل نطاق أوسع من المستشفيات.
وفي إطار تعزيز الكفاءة المهنية للكوادر الطبية، شهد قطاع العلاج الطبيعي تنفيذ 108 أيام تدريبية استفاد منها أكثر من 13 ألف أخصائي وممارس، مما يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو بناء قدرات القوى البشرية. كما شهد الشهر افتتاح أقسام جديدة في محافظات الفيوم وكفر الشيخ والدقهلية، بما يدعم العدالة الصحية ويمد شبكة الخدمات إلى مناطق تحتاج توسعات فعلية. ووجّه الوزير خلال الاجتماع بضرورة الاستغلال الأمثل للأجهزة الحديثة وتفعيل التشغيل الكامل لها دون تعطيل، إلى جانب توفير 40 جهازًا جديدًا لإدارة الأسنان وإنشاء معمل للتركيبات الثابتة وعيادات جديدة، بما يعزز جودة الخدمة ويزيد من الطاقة الاستيعابية في تخصصات الأسنان ذات الإقبال المرتفع.
كما ركّز الوزير على ضرورة تحديث المنظومة الرقمية، حيث وجّه بإنشاء نظام مميكن لإدارة وتشغيل المستلزمات الطبية وتسجيل كافة التدخلات العلاجية، بهدف إحكام دورة العمل وتعزيز الشفافية وسرعة الاستجابة. وفي مجال الأشعة، شملت إنجازات القطاع معاينة 210 منشآت، وترخيص 138 منشأة للأشعة المؤينة و28 منشأة غير مؤينة، إضافة إلى تدريب 54 طبيبًا على برامج تقنية متقدمة. وقد تضمنت التوجيهات أيضًا ميكنة معدلات تشغيل أجهزة الأشعة لاكتشاف الأعطال فورًا، وهي خطوة محورية تقلل فترات التوقف وتضمن الاستفادة القصوى من الإمكانات الفنية المتاحة.
أما المجالس الطبية المتخصصة فقد واصلت دورها الحيوي في تحقيق العدالة العلاجية، حيث قدمت خدمات للعلاج على نفقة الدولة بقيمة 13.2 مليار جنيه خلال الفترة من 1 يوليو إلى 15 نوفمبر 2025، إضافة إلى مناظرة 700 حالة عبر الفيديو كونفرانس، بما يعزز الوصول للخدمة دون الحاجة إلى انتقال المرضى. كما أكّدت الوزارة وضع ضوابط صارمة للاستحقاق وتفعيل نظم الحوكمة لتحسين جودة القرارات العلاجية. وفي البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز وخدمات الدم، تم توفير الأدوية مجانًا لجميع المتعايشين، وتفعيل أجهزة GeneXpert في 11 محافظة، وفحص عينات الدم بالحمض النووي بنسبة تجاوزت 91%، إلى جانب تنفيذ أكثر من ألف حملة للتبرع بالدم، بما يدعم أمن وسلامة الإمداد الدموي.
وفي مجال الطوارئ والرعاية الحرجة، عكست الأرقام حجم الجهد المبذول، حيث استقبل الخط الساخن (137) أكثر من 59 ألف طلب، تم تسكين 44,828 حالة منها، إلى جانب إضافة 296 سرير رعاية كبار، و271 سرير رعاية أطفال، و227 حضانة جديدة، مما يعزز قدرة المنظومة على الاستجابة السريعة للحالات الحرجة. وفي المقابل، حققت إدارة الشؤون الصيدلية إنجازًا بارزًا بتوفير بدائل دوائية محلية بقيمة 221 مليون جنيه وتنفيذ 56 مأمورية تفتيش لمتابعة الالتزام الدوائي، فضلًا عن تفعيل برامج ترشيد المضادات الحيوية. وشهدت الصحة النفسية تطورًا ملموسًا مع استقبال المنصة الإلكترونية 117 ألف زائر، وتنفيذ 13,632 جلسة علاجية، وافتتاح قسم الحجز الإلزامي بمستشفى إمبابة، مما يعكس فهمًا عميقًا لأهمية الصحة النفسية كجزء لا يتجزأ من المنظومة الصحية الشاملة.
تؤكد هذه الإنجازات المتتابعة أن قطاع الصحة في مصر يسير نحو مستقبل أكثر تطورًا واستدامة، حيث يجتمع الاستثمار في البنية التحتية، مع التحول الرقمي، وبناء القدرات البشرية، وتحسين جودة الخدمة، لتشكيل منظومة صحية قادرة على مواجهة تحديات العصر. إن ما تم تحقيقه خلال أكتوبر 2025 يعكس رؤية واعية وتخطيطًا دقيقًا، ويدعم مكانة القطاع كركيزة أساسية في استراتيجية الدولة لبناء مجتمع صحي آمن. ومع استمرار هذه الوتيرة من العمل، تبدو ملامح المستقبل أكثر إشراقًا، ويصبح المواطن في قلب أولوية النظام الصحي كما يجب أن يكون دائمًا.