كيف تسير جهود السلام الأمريكية في الاتجاه المعاكس للتقدم على الأرض؟. وسط دخول حركة التمرد “إم 23” إلى مدينة أوفيرا الاستراتيجية في شرق الكونغو الديمقراطية، يتصاعد سؤال ملحّ: لماذا لم يسلك دونالد ترامب نفس طريق باراك أوباما في فرض ضغط فعلي لوقف دعم رواندا للمتمردين؟ ففي حين أجرى أوباما اتصالاً مباشراً وحاسماً مع الرئيس الرواندي بول كاغامي في 2012 وعلق المساعدات العسكرية، محدثاً هدوءاً مؤقتاً، يبدو أن استراتيجية ترامب القائمة على توقيع الاتفاقيات في واشنطن وسط ضجة إعلامية تُنتج تناقضاً صارخاً مع الواقع الدامي على الأرض. بينما تتصاعد أعمدة الدخان في سماء جنوب كيفو، وتفرّ عشرات الآلاف من ديارهم إلى بوروندي المجاورة، يُختبر زعم ترامب المتكرر بأنه “رجل سلام” في ساحة قد تكون معادنها النادرة هي الهدف الحقيقي، وليس إسكات أصوات البنادق وإنقاذ الأرواح.
مشهد الفوضى: اتفاق واشنطن ومطرقة “إم 23”
لا تبدو المصالحة قريبة في أرض الصراع. فقد دخل مقاتلو “إم 23” – الذين تتهم الأمم المتحدة والولايات المتحدة رواندا بدعمهم – مدينة أوفيرا، القاعدة الحكومية الأخيرة في إقليم جنوب كيفو الغني بالمعادن. هذا التقدم العسكري الخطير جاء بعد أقل من أسبوع فقط من لقاء نظمه ترامب في واشنطن جمع الرئيسَين فيليكس تشيسيكيدي وبول كاغامي، وأعلن فيه الجميع التزامهم باتفاق سلام أمريكي الوساطة. وصف وزير خارجية بوروندي، التي استقبلت آلاف اللاجئين الكونغوليين، هذا التقدم بأنه “صفعة في الوجه… وإهانة” لجهود واشنطن.
· اتهامات متبادلة: تتبادل الأطراف الاتهامات بانتهاك الاتفاقات. تتهم الكونغو رواندا بـ “الانتهاك المتعمد” لاتفاق واشنطن، بينما ترد رواندا باتهام الجيش الكونغولي والبوروندي بقصف قرى حدودية، وتنفي تقديم أي دعم لحركة “إم 23”.
· الواقع على الأرض: رغم الخطاب الدبلوماسي، تواصل الحركة ترسيخ سلطتها في المناطق التي تسيطر عليها عبر إدارة موازية وبرامج “تثقيف” مدنية، مما يشير إلى نية البقاء وبناء كيانات سياسية بديلة.
المعادلة المفقودة: مقارنة بين نهجي أوباما وترامب
يكشف الموقف الأمريكي الحالي تناقضاً جوهرياً مع إستراتيجية سابقة أثبتت فاعلية مؤقتة. في عام 2012، عندما سيطرت “إم 23” على مدينة غوما الكونغولية الكبرى، تحركت إدارة أوباما بشكل حاسم:
· ضغط رئاسي مباشر: أجرى الرئيس أوباما اتصالاً مع الرئيس الرواندي بول كاغامي، وحثه بشكل مباشر على وقف الدعم للمتمردين.
· عقوبات ملموسة: علقت الولايات المتحدة جزءاً من المساعدات العسكرية المقدمة لرواندا في يوليو 2013، كأداة ضغط مالية وسياسية واضحة.
· نتيجة فورية: ساهم هذا الضغط المتعدد الأدوات في هزيمة الحركة العسكرية وانهيارها الظاهري بحلول نوفمبر 2013. في المقابل، يبدو نهج ترامب مختلفاً جذرياً، حيث يتمحور حول عقد الصفقات والتصريحات العلنية دون آلية ضغط حاسمة، في وقت تتهم فيه الخارجية الأمريكية رواندا علناً باستمرار دعمها للمتمردين.
جوهر الصراع: عندما تتحدث المعادن
يتجاوز النزاع في شرق الكونغو الانقسامات العرقية الممتدة منذ إبادة رواندا عام 1994. ففي قلب هذه الفوضى تكمن ثروة معدنية هائلة تدفع جميع الأطراف، بما في ذلك القوى العالمية.
· كنز عالمي: تُعد الكونغو الديمقراطية أكبر منتج للكوبالت في العالم، وهو معدن حيوي لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية. كما أنها مورد رئيسي للكولتان، المكون الأساسي في الصناعات العسكرية والتقنية المتطورة.
· مصالح متشابكة: يُعتقد أن رواندا تستفيد من تصدير غير قانوني لهذه المعادن من المناطق الخاضعة لسيطرة “إم 23”. ومن جهتها، تسعى الولايات المتحدة، عبر اتفاقياتها مع البلدين، إلى تأمين وصولها إلى هذه الموارد الاستراتيجية في إطار منافستها مع الصين.
صانع سلام أم مهندس فوضى؟ اختبار مزاعم ترامب
يضع مشهد الكونغو المتأزم المزاعم المتكررة لدونالد ترامب حول قدرته الفريدة على تحقيق السلام في اختبار صارخ. فقد صرح ترامب سابقاً بأنه “الأحق بجائزة نوبل للسلام”، منتقداً منحها لسلفه أوباما. لكن سجله العملي في التعامل مع هذه الأزمة يثير تساؤلات عميقة:
· فجوة بين القول والفعل: بينما يحصل ترامب على “جائزة السلام” من اتحاد الفيفا، تتصاعد الحرب التي توسط للسلام فيها. لقد وصف وزير الخارجية الأمريكي الوضع بأنه مقلق للغاية ودعا رواندا إلى منع التصعيد، لكن هذا النداء الدبلوماسي لم يقترن حتى الآن بإجراءات رادعة كما فعلت إدارة أوباما.
· سلام انتقائي: يبدو أن نهج ترامب يتبع معياراً مزدوجاً. ففي الوقت نفسه، يتحدث عن جهوده للسلام، يصدر عنه تصريحات استفزازية تجاه لاجئين من الكونغو، ويمتدح قادة استبداديين، ويطلق هجمات لاذعة على حلفاء تقليديين.
بين أضواء واشنطن وظلال الكونغو
في الختام، يروي مشهد مدينة أوفيرا، حيث يحتمي المدنيون تحت الأسرة هرباً من القصف، قصةً مختلفة تماماً عن تلك التي تُروى على منصات التوقيع في واشنطن. لقد تحول اتفاق السلام الذي افتُخر به إلى ورقة تذكارية تتهاوى تحت ضربات تقدم المتمردين. السؤال الذي يلوح في الأفق الآن ليس فقط لماذا لا يفعل ترامب كما فعل أوباما، بل ماذا يريد أن يفعل حقاً؟ هل السلام في شرق الكونغو غاية في حد ذاته، أم أنه مجرد قطعة على رقعة شطرنج استراتيجية أكبر، حيث تُقاس القيمة البشرية بأطنان من الكوبالت والتانتالوم؟ التحدي الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم يتعدى إصدار البيانات المشتركة، مثل بيان الدول العشر الذي ندد بالتصعيد. إنه يدعو إلى مصالحة صعبة بين الخطاب والممارسة، وبين المصالح الاقتصادية والمسؤولية الأخلاقية. ففي هذه المنطقة التي أنهكها ثلاثة عقود من الصراع، لم يعد “السلام” مجرد كلمة توقع على وثيقة؛ إنه اختبار حقيقي لإرادة أولئك الذين يملكون السلطة للتأثير. والنتيجة ستحددها ليس البيانات الدبلوماسية، بل الخطوات الحاسمة التي تليها، أو عدمها.