عبدالرحيم عبدالباري
في كواليس العمل الحكومي، لا تقل المعركة على حسن إدارة الموارد أهمية عن معركة تقديم الخدمة ذاتها. فخلف كل سرير مستشفى، وكل وحدة رعاية، تقف منظومة تخطيط مالي قادرة إما على الدفع للأمام أو إعاقة التقدم. من هنا، تأتي ورشة العمل التي نظمتها وزارة الصحة والسكان حول القواعد المنظمة لإعداد الموازنات على أساس البرامج والأداء، كخطوة تحمل في طياتها تحولًا نوعيًا، لا يخص الأرقام وحدها، بل يمتد ليشمل فلسفة إدارة المال العام وربطه مباشرة بصحة المواطن وجودة الخدمة.

تنظيم هذه الورشة بمشاركة مسؤولي البرامج والموازنة من مختلف قطاعات الوزارة والجهات التابعة لها، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الإصلاح الصحي لا يمكن أن يكتمل دون إصلاح مالي متزامن. فالانتقال من الموازنات التقليدية إلى موازنات البرامج والأداء يعني تغيير طريقة التفكير ذاتها، من التركيز على “كم أنفقنا” إلى “ماذا حققنا”. هذا التحول يضع كل برنامج صحي أمام اختبار حقيقي: هل يحقق هدفًا واضحًا؟ وهل يترك أثرًا يمكن قياسه؟ هنا تبدأ الإثارة الحقيقية، حيث تصبح الأرقام لغة للنتائج لا مجرد بنود جامدة في دفاتر الحسابات.
اختيار مقر ديوان عام الوزارة بالعاصمة الإدارية الجديدة لعقد الورشة لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل يحمل دلالة رمزية على ارتباط التطوير المالي برؤية الدولة الشاملة للتحديث. فالورشة جاءت في سياق دعم توجهات الدولة لتطوير منظومة التخطيط المالي ورفع كفاءة الإنفاق العام، وربط الموارد بالأهداف الاستراتيجية. هذا الربط يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يصبح فيها كل جنيه موجهًا لخدمة هدف محدد، وكل برنامج خاضعًا للتقييم، ما يعزز الثقة في أن الإنفاق العام لم يعد عشوائيًا، بل محكومًا بخارطة طريق واضحة تتسق مع رؤية «مصر 2030».
تصريحات الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي للوزارة، سلطت الضوء على البعد الإنساني لهذا التحول المالي. فبناء قدرات العاملين في مجالات التخطيط والموازنة والمتابعة ليس إجراءً إداريًا فحسب، بل استثمار طويل الأجل في عقول قادرة على اتخاذ قرارات رشيدة. تطبيق منهجية موازنة البرامج والأداء بشكل سليم يعني الاستخدام الأمثل للاعتمادات المالية، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين. هنا، يصبح التخطيط المالي شريكًا أساسيًا للطبيب والممرض في معركة تحسين الخدمة، لا مجرد خلفية إدارية صامتة.
من زاوية التخطيط الاستراتيجي، أوضحت الدكتورة رشا الشرقاوي أن موازنة البرامج والأداء تمثل أداة حديثة قادرة على مواءمة الخطط مع الأهداف، ودعم اتخاذ القرار المبني على النتائج. هذه المنهجية تعزز الشفافية والمساءلة، وتوحد الجهود بين القطاعات المختلفة داخل الوزارة. الأهم أنها تخلق لغة مشتركة بين صانع القرار والمنفذ، حيث تصبح مؤشرات الأداء هي الفيصل، لا الانطباعات أو التقديرات الشخصية. في هذا السياق، تتحول الموازنة إلى أداة حوكمة، تضمن أن كل برنامج يعمل في اتجاه الهدف الأكبر دون ازدواجية أو هدر.
خلال الورشة، قدم الدكتور محمد جمال الدين السبكي قراءة تحليلية معمقة للتحديات التنفيذية التي تواجه تطبيق هذه الموازنة، مستعرضًا مفهوم مصفوفة البرامج ودورها في ربط الأهداف الاستراتيجية بمؤشرات قابلة للقياس. حديثه كشف أن موازنة البرامج والأداء ليست مجرد قالب جديد، بل أسلوب إدارة متكامل يمنح الدولة مرونة في مواجهة الأزمات، ويحدد أولويات الإنفاق لتحسين الخدمات. كما أنها تترجم برنامج عمل الحكومة إلى خطوات قابلة للتنفيذ، وتسرع الإنجاز، وتحسن الأداء، وتخلق منظومة تقييم دقيقة تشمل المدخلات والمخرجات والنتائج والآثار.
في ختام النقاش، جاءت رؤية الدكتورة نهلة تعيلب لتؤكد أن تطبيق هذه الموازنة يمثل نقطة تحول في منظومة المتابعة والتقييم داخل وزارة الصحة. فقياس الأثر الفعلي للإنفاق، وليس مجرد حجم الصرف، يعزز الكفاءة المؤسسية ويوجه الموارد نحو الأولويات الأكثر تأثيرًا. هذا النهج يفتح الباب أمام تصحيح المسار في الوقت المناسب، ويمنح صانع القرار أدوات دقيقة للحكم على نجاح أو تعثر أي برنامج. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للموازنة الجديدة كوسيلة لتحسين الأداء، لا كغاية بيروقراطية في حد ذاتها.
ورشة عمل واحدة قد تبدو حدثًا إداريًا عابرًا، لكنها في الحقيقة تعكس بداية تحول عميق في طريقة إدارة المال العام داخل قطاع الصحة. الانتقال إلى موازنة البرامج والأداء يعني أن المواطن سيصبح المستفيد النهائي من كل قرار مالي، وأن جودة الخدمة ستُقاس بمدى تحقيقها للنتائج لا بحجم ما أنفق عليها. وبين الأرقام والمؤشرات، تتشكل معادلة جديدة عنوانها: إنفاق أذكى، أداء أفضل، وخدمة صحية تليق بطموحات الدولة والمواطن معًا.