عبدالرحيم عبدالباري
في قلب دلتا مصر، ترسم محافظة الدقهلية مشهدًا صحيًا متكاملًا يعكس حجم التحول الذي تشهده المنظومة الطبية الحكومية. أرقام الخدمات لم تعد مجرد إحصاءات، بل باتت شواهد حية على قدرة الدولة على إدارة ملف الصحة بعقلية التخطيط والاستدامة. إعلان وزارة الصحة والسكان عن تقديم أكثر من 13.4 مليون خدمة صحية خلال أربعة أشهر فقط، يكشف عن منظومة تعمل بلا توقف، وتضع صحة المواطن في صدارة الأولويات، ترجمةً فعلية لرؤية «مصر 2030» التي تستهدف بناء إنسان سليم قادر على الإنتاج والمشاركة.

الحصيلة الإجمالية للخدمات الصحية المقدمة في الدقهلية تعكس حجم الضغط السكاني وتنوع الاحتياجات الطبية، وهو ما تعاملت معه مديرية الشؤون الصحية بمرونة واضحة. أكثر من 13 مليون خدمة خلال فترة زمنية محدودة يعني أن المنشآت الصحية لم تكتفِ بتقديم الحد الأدنى من الرعاية، بل توسعت أفقيًا ورأسيًا لتغطي مختلف التخصصات. هذا الأداء يشير إلى تطور في الإدارة الصحية، وقدرة على توزيع الموارد البشرية والطبية بكفاءة، بما يضمن استمرارية الخدمة دون تراجع في الجودة، ويعزز ثقة المواطنين في المستشفيات والوحدات الصحية الحكومية.
خدمات الطب العلاجي شكلت العمود الفقري لهذه المنظومة، حيث تجاوزت 4.2 مليون خدمة، تنوعت بين العيادات الخارجية والطوارئ والجراحات الدقيقة. الأرقام تكشف عن نشاط مكثف في الغسيل الكلوي، والعلاج الطبيعي، والأشعة، وطب الأسنان، فضلًا عن آلاف العمليات الجراحية، بما فيها القسطرة القلبية والمخية والمناظير المتقدمة. هذا التنوع يعكس انتقال المستشفيات من دور الإسعاف الأولي إلى مراكز علاج متكاملة قادرة على التعامل مع الحالات المعقدة، وتقليل الحاجة لتحويل المرضى إلى محافظات أخرى، وهو مكسب صحي واجتماعي بالغ الأهمية.
الرعايات المركزة والحضانات مثلت خط الدفاع الأهم للحالات الحرجة، مع آلاف حالات الحجز للكبار والأطفال وحديثي الولادة. كما برز دور المنظومة في إدارة الحوادث والطوارئ، والتعامل مع بلاغات الإصابات، إلى جانب دعم مرضى الكلى، والصدر، والسموم، وتقديم خدمات متقدمة مثل فصل البلازما. الاهتمام بالصيدلة الإكلينيكية، وزيادة الوصفات العلاجية، والاعتماد التدريجي على الوصفات الإلكترونية، يعكس وعيًا بأهمية الاستخدام الرشيد للدواء، وتحسين رحلة المريض داخل المستشفى من التشخيص حتى التعافي.
في محور الأم والطفل وتنمية الأسرة، قدمت الدقهلية نموذجًا متكاملًا للرعاية الشاملة، حيث تجاوزت الخدمات المقدمة خمسة ملايين خدمة. شملت هذه الجهود الرعاية الأولية، والتحاليل الطبية، وعيادات الأمومة والطفولة، وتنظيم الأسرة، وصرف وسائل تنظيم الحمل. كما لعبت المبادرات الرئاسية دورًا محوريًا في الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة والأورام ودعم صحة المرأة. هذا التركيز على الوقاية والكشف المبكر يخفف العبء المستقبلي على المستشفيات، ويعزز مفهوم الصحة المجتمعية بدلًا من الاكتفاء بالعلاج بعد وقوع المرض.
الطب الوقائي والصحة العامة كان لهما نصيب وافر من الجهود، عبر ملايين التطعيمات، والرقابة البيئية، ومكافحة الأمراض المدارية، والتخلص الآمن من النفايات الطبية الخطرة. بالتوازي، جرى الاستثمار في العنصر البشري من خلال آلاف الدورات التدريبية والندوات التوعوية والزيارات الإشرافية، ما ساهم في رفع كفاءة الكوادر الصحية وتعزيز الثقافة الصحية لدى المجتمع. هذا التكامل بين الوقاية، والتدريب، والتوعية، يؤكد أن المنظومة لا تعمل برد الفعل، بل بعقلية استباقية تحمي الصحة العامة.
استحداث الخدمات الطبية المتقدمة لأول مرة في عدد من مستشفيات الدقهلية يمثل نقلة نوعية حقيقية، من جراحات القسطرة الطرفية ومناظير الصدر للأطفال، إلى تركيب منظمات القلب وجراحات المخ والأعصاب. تشغيل أجهزة حديثة مثل الكي بموجات الراديو، وUBM للعيون، وتوسيع خدمات غسيل كلوي الأطفال، وتطوير أقسام العلاج الطبيعي بأحدث التقنيات، يعكس شراكة فعالة بين الوزارة والمؤسسات الأكاديمية مثل كلية طب المنصورة. هذه الخطوات تعزز من مكانة المستشفيات الحكومية كمراكز علاج متطورة قادرة على مواكبة التقدم الطبي.
ما تحقق في الدقهلية خلال شهور قليلة يؤكد أن تطوير الصحة لم يعد شعارًا، بل واقعًا ملموسًا يشعر به المواطن في الخدمة، والتجهيز، وسرعة التدخل. الأرقام الكبيرة تخفي وراءها جهدًا منظمًا، ورؤية واضحة، وإيمانًا بأن صحة الإنسان هي أساس التنمية. ومع استمرار هذا النهج، تتحول الدقهلية إلى نموذج يحتذى به في الإدارة الصحية المتكاملة، حيث تلتقي الوقاية بالعلاج، والتدريب بالتكنولوجيا، لتُكتب قصة نجاح جديدة في سجل الصحة المصرية.