عبدالرحيم عبدالباري
في لحظة نادرة تتقاطع فيها الذاكرة الطبية مع طموحات المستقبل، يطل المؤتمر السنوي للمعهد التذكاري للأبحاث الرمدية هذا العام بطابع استثنائي، ليس فقط بوصفه ملتقى علميًا رفيع المستوى، بل باعتباره احتفالًا بمرور مائة عام على تأسيس أحد أعرق الصروح الطبية في مجال طب وجراحة العيون. مئوية كاملة من البحث والعلاج والتعليم، تتوجها اليوم مناقشات علمية متقدمة تعكس حجم التطور الذي يشهده هذا التخصص الحيوي، وتؤكد أن الرؤية لم تعد مقتصرة على علاج المرض، بل على استشراف آفاق جديدة للحفاظ على نعمة البصر.

انطلقت فعاليات المؤتمر السنوي للمعهد التذكاري للأبحاث الرمدية تحت مظلة الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، في أجواء علمية احتفالية تعكس قيمة الحدث ومكانته. ويكتسب المؤتمر أهمية مضاعفة هذا العام لتزامنه مع الاحتفال بمئوية تأسيس المعهد، ما يجعله محطة تاريخية لتقييم مسيرة قرن كامل من الإنجازات الطبية والعلمية. وقد أقيمت الفعاليات يوم الأربعاء الموافق 17 ديسمبر 2025 بفندق هيلتون نايل تاور، لتشكل انطلاقة رمزية تجمع بين عراقة المكان وحداثة الطرح العلمي، في حضور نخبة من قيادات القطاع الصحي وأساتذة طب العيون.
جاء انعقاد المؤتمر تحت رعاية معالي الأستاذ الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة والسكان، وبقيادة الأستاذ الدكتور محمد مصطفى عبدالغفار، رئيس الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، ليؤكد الدعم المؤسسي الواضح لتطوير تخصصات العيون في مصر. هذا الدعم لا يقتصر على الرعاية الرسمية، بل يمتد إلى رؤية استراتيجية تعتبر البحث العلمي والتعليم الطبي المستمر ركيزة أساسية لتحسين جودة الخدمات الصحية. وقد عكس الحضور الرسمي الرفيع إدراك الدولة لأهمية هذا التخصص ودوره المباشر في تحسين جودة حياة المواطنين.
شهد المؤتمر مشاركة واسعة من القيادات العلمية، من بينهم الأستاذة الدكتورة نغم عابد نائب رئيس الهيئة للبحوث العلمية والتطبيقية، والأستاذ الدكتور حازم النشار عميد المعهد التذكاري للأبحاث الرمدية، إلى جانب عمداء المعهد السابقين ونواب العميد للشؤون الفنية والبحوث. هذا التنوع في الخبرات أضفى على النقاشات العلمية عمقًا خاصًا، حيث تلاقت الخبرة المتراكمة مع الرؤى البحثية الحديثة. كما أسهم حضور نخبة من أساتذة طب وجراحة العيون من مصر والعالم العربي في إثراء الحوار وتبادل التجارب الإقليمية والدولية.
المؤتمر لم يكن مجرد عرض أكاديمي للأبحاث، بل منصة تفاعلية لمناقشة أحدث المستجدات في طب وجراحة العيون، من خلال جلسات علمية مكثفة تناولت تطورات التشخيص والعلاج باستخدام أحدث التقنيات. وقد اتسمت المناقشات بالتركيز على التطبيق العملي للأبحاث، بما يضمن تحويل المعرفة النظرية إلى ممارسات إكلينيكية ملموسة. وفي دلالة على تكامل البعد العلمي والتطبيقي، انتقلت فعاليات اليوم الثاني إلى مقر المعهد بالجيزة، لاستكمال الجلسات وورش العمل في بيئة بحثية متخصصة.
وفي كلمته، أكد الأستاذ الدكتور محمد مصطفى عبدالغفار أن المعهد التذكاري للأبحاث الرمدية يمثل أحد أعمدة الطب المتخصص في المنطقة، حيث لعب دورًا محوريًا منذ تأسيسه في مكافحة أمراض العيون وتقديم الرعاية الطبية للمواطنين. وأوضح أن تزامن المؤتمر مع مرور مائة عام على إنشاء المعهد يعكس التزام الهيئة بدعم هذا الصرح العريق، ليس فقط للحفاظ على مكانته، بل لتطويره ليواكب أحدث المعايير العالمية. وأضاف أن تبادل الخبرات واعتماد التقنيات الحديثة يمثلان حجر الزاوية في تطوير خدمات الرمد بمصر.
من جانبه، استعرض الأستاذ الدكتور حازم النشار ملامح البرنامج العلمي للمؤتمر، الذي شمل أحدث الأبحاث في التخصصات الدقيقة لطب وجراحة العيون. وتنوعت المحاور بين جراحات الجزء الأمامي، وتقنيات زراعة القرنية وتصحيح الإبصار بالفيمتو ليزر، إلى جانب مناقشة أحدث الأساليب في علاج المياه البيضاء والزرقاء. كما حظيت أمراض الشبكية والجسم الزجاجي، وطب عيون الأطفال والحول، بنقاشات معمقة تعكس التطور السريع في بروتوكولات العلاج والتشخيص.
تميز المؤتمر أيضًا بنقل حي لعمليات جراحية متقدمة، وعقد ورش عمل وكورسات تدريبية عملية باستخدام أجهزة محاكاة حديثة ينفرد بها المعهد. هذا الجانب التطبيقي منح الأطباء المشاركين فرصة فريدة للاطلاع المباشر على أحدث الممارسات الجراحية، وساهم في رفع كفاءتهم المهنية. كما عكس اهتمام المعهد بتدريب الأجيال الجديدة من الأطباء، إيمانًا بأن الاستثمار في الإنسان هو الضمان الحقيقي لاستمرار الريادة الطبية خلال العقود المقبلة.
هكذا، لم يكن المؤتمر السنوي للمعهد التذكاري للأبحاث الرمدية مجرد احتفال بمئوية مؤسسة عريقة، بل إعلانًا واضحًا عن بداية قرن جديد من الابتكار والتطوير في طب وجراحة العيون. بين استحضار التاريخ واستشراف المستقبل، أكدت فعاليات المؤتمر أن الحفاظ على نعمة البصر مسؤولية علمية وإنسانية تتطلب تضافر البحث والتعليم والتطبيق. ومع هذا الزخم العلمي والدعم المؤسسي، تبدو المائة عام القادمة للمعهد واعدة بمزيد من الريادة، خدمةً للعلم والمرضى على حد سواء.