نحن لا نسخر من أوطاننا، ولا يمكن لضميرٍ حيّ أن يفعل ذلك، لأن الوطن ليس فكرة قابلة للاستهزاء، ولا أرضًا يمكن التخفف منها حين تثقلنا خيباتها، بل هو الذاكرة الأولى، والهوية التي تسكننا حتى حين نتظاهر بالنسيان. نحن لا نضحك على ترابنا، ولا على تاريخنا، ولا على الحلم الذي تربينا عليه ونحن نعتقد أن الغد يمكن أن يكون أكثر عدلًا وكرامة، لكن ما يؤلمنا حقًا، وما يدفع الكلمات لأن تكون ساخنة حدّ الوجع، هو أننا نرى كيف تحوّل هذا الوطن في لحظات كثيرة إلى مادة للدهشة السلبية، إلى سؤالٍ مطروح في عيون الآخرين: كيف يمكن لبلدٍ بهذا التاريخ أن يُترك بهذا الشكل؟ وكيف يمكن لأمةٍ بهذا العمق أن تُستنزف إلى هذا الحد؟
نحن لا نسخر من الوطن، بل من كل من جعلوه عرضة للسخرية، من كل من حوّلوا مقدراته إلى مساحات ضائعة بين الإهمال والفساد واللامبالاة، من كل من تعاملوا معه كغنيمة لا كمسؤولية، وكأن الأرض لا تشتكي، وكأن الناس لا تتألم، وكأن الكرامة قابلة للتأجيل. إن ما نراه حولنا ليس قدر الوطن، بل نتاج أفعال بشرٍ اختاروا أن يضعوا مصالحهم فوق المصلحة العامة، وأن يختصروا الدولة في مصالح ضيقة، فصار المواطن يطارد حقوقه كما يطارد الغريب ظلاً لا يعود إليه.
حين نتحدث بمرارة، فنحن لا نهدم، بل نحاول أن ننبه، وحين نكتب بحرقة، فنحن لا نخون، بل نحاول أن نوقظ ما تبقى من ضميرٍ جمعي بدأ يتآكل تحت ضغط الصمت والتطبيع مع الألم. الوطن لا يُهان حين يُنتقد، بل يُهان حين يُترك بلا مساءلة، وحين يصبح الخطأ عادة، والسكوت سياسة، والتبرير ثقافة، وحين يتحول الخلل إلى أمرٍ مألوف لا يستفز أحدًا.
إن أخطر ما يمر به أي وطن ليس أعداءه الخارجيون فقط، بل أولئك الذين يفرغونه من معناه من الداخل، الذين يجعلون صورته أمام العالم باهتة، مشوهة، مثقلة بأسئلة لا تجد إجابة. هؤلاء هم من نحمل غضبنا تجاههم، لا تجاه الوطن نفسه، لأن الوطن في جوهره أكبر من أن يُختصر في لحظات ضعف، وأعمق من أن يُختزل في إخفاقات عابرة، لكنه في الوقت ذاته أكثر هشاشة حين يُترك بلا حماية من أبنائه الذين يفترض أنهم حراسه لا مستهلكوه.
نحن نغضب لأننا نحب، ونكتب لأننا لا نريد لهذا الحب أن يتحول إلى صمت، فالصمت في مثل هذه الحالات ليس حكمة، بل استسلام. وحين نقول إن أوطاننا أصبحت مسخرة بين الأمم، فنحن لا نصف الوطن، بل نصف الحالة التي وصلنا إليها، الحالة التي تجعل الآخر ينظر إلينا بدهشة ممزوجة بالأسى، لا لشيء إلا لأننا نملك ما يكفي لنكون في مكانٍ أفضل، لكننا لم ننجح دائمًا في حماية هذا “الكفاية” من العبث.
ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا، لأن الوطن لا يموت ما دام هناك من يرفض أن يراه في صورة أقل مما يستحق، ما دام هناك من يكتب، ويصرخ، وينتقد، ويقاوم فكرة الانحدار كقدرٍ محتوم. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالوعي، ولا تُحفظ بالمديح، بل بالصدق، حتى لو كان صدقًا موجعًا. نحن لا نسخر من أوطاننا… بل نحاول أن ننقذها من كل من أساؤوا فهمها، أو استهانوا بها، أو جعلوا صورتها في عيون العالم أقل مما يجب أن تكون عليه.