عبدالرحيم عبدالباري
لم تعد قضايا الصحة النفسية شأناً هامشيًا أو ترفًا صحيًا، بل أصبحت إحدى ركائز الأمن المجتمعي والاستقرار الإنساني، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة. وفي هذا السياق، تأتي مذكرة التفاهم التي شهد توقيعها الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، بين وزارة الصحة وشركة «فياترس»، باعتبارها خطوة استراتيجية تعكس وعي الدولة بأهمية بناء منظومة متكاملة للصحة النفسية، تتجاوز العلاج إلى الوقاية والتوعية وبناء القدرات، وتنسجم مع أهداف «رؤية مصر 2030» في تحقيق رعاية صحية شاملة ومستدامة.

توقيع مذكرة التفاهم بين وزارة الصحة والسكان وشركة «فياترس» يحمل دلالات أعمق من كونه إجراءً بروتوكوليًا، إذ يعكس توجهًا رسميًا نحو توسيع قاعدة الشراكات الفعالة بين القطاعين العام والخاص. وقد وقع المذكرة من جانب الوزارة الدكتور أيمن عباس، رئيس الإدارة المركزية للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، بينما مثل الشركة الدكتور محمد عادل خليل محمود سويلم، المفوض الرسمي عن «فياترس». هذه الشراكة تعكس إدراكًا مشتركًا بأن تحديات الصحة النفسية تحتاج إلى تضافر الخبرات والموارد، وليس الاكتفاء بالحلول التقليدية أو الجهود المنعزلة.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن المذكرة تركز على تنفيذ حملات توعوية واسعة في مجال الصحة النفسية، بما يسهم في كسر الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية. كما تشمل تبادل المعرفة والخبرات وبناء قدرات العاملين في هذا المجال، وتعزيز التعاون في التدريب والبحث العلمي. وتبرز أهمية هذه المحاور في كونها تعالج جذور المشكلة، عبر رفع الوعي المجتمعي وتطوير الكوادر الطبية، بما ينعكس على تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المحافظات.
ولا تقف بنود المذكرة عند حدود التوعية والتدريب، بل تمتد إلى تطوير آليات تقديم خدمات الصحة النفسية ورفع كفاءة الفرق الطبية، إلى جانب تطوير المنظومة الإلكترونية لمبادرة دعم الصحة النفسية عبر المنصة الإلكترونية المخصصة. هذا التوجه الرقمي يعكس فهمًا عصريًا لطبيعة التحديات الحالية، حيث تسهم الحلول التكنولوجية في توسيع نطاق الوصول إلى الخدمة، خاصة في المناطق النائية، وتوفر أدوات حديثة للمتابعة والتشخيص المبكر، بما يعزز من كفاءة المنظومة ككل.
من جانبه، أكد الدكتور أيمن مختار، الرئيس الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوراسيا في «فياترس»، أن الرعاية النفسية الفعالة تعتمد على نهج شامل يضمن التشخيص الصحيح والعلاج والدعم المناسب للمرضى. وأشار إلى أهمية تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتحقيق نتائج مستدامة، معتبرًا أن مبادرة «صحتك سعادة» تمثل نموذجًا رائدًا في إعطاء الأولوية للصحة النفسية والجسدية معًا. هذا الطرح يسلط الضوء على التحول من النظرة العلاجية الضيقة إلى مفهوم الرفاه النفسي الشامل.
وعلى هامش التوقيع، عقد الدكتور خالد عبدالغفار اجتماعًا مع ممثلي الشركة لمناقشة خطة تنفيذ بنود المذكرة، مؤكدًا أهمية تدريب الأطباء وهيئات التمريض ومقدمي الخدمات على أدوات التشخيص المبكر، وإطلاق حملات إعلامية موسعة، وتطوير مواد تثقيفية ملائمة للثقافة المحلية. كما تناول الاجتماع جهود اكتشاف وعلاج الاكتئاب والقلق، وطيف التوحد، والإدمان، والصحة النفسية للحوامل وكبار السن، والاضطرابات المرتبطة بالأمراض المزمنة، مع الإشارة إلى تدريب أكثر من 5 آلاف مقدم خدمة صحية في المحافظات، وهو رقم يعكس جدية التنفيذ لا مجرد التخطيط.
وشهدت مراسم التوقيع حضور عدد من القيادات الصحية، من بينهم الدكتور محمد حساني، مساعد الوزير لمبادرات الصحة العامة، والدكتور محمد عبد الحكيم، رئيس الإدارة المركزية للطب العلاجي، والدكتورة منى خليفة، مدير عام الإدارة العامة للمبادرات الصحية، والدكتور محمد هاني، منسق مبادرة «صحتك سعادة»، والأستاذة سارة عطية، مسئول ملف البروتوكولات بمكتب مساعد الوزير. هذا الحضور الواسع يعكس تكامل الأدوار داخل الوزارة، ويؤكد أن ملف الصحة النفسية بات مسؤولية مؤسسية تشاركية، وليس جهدًا فرديًا أو قطاعيًا محدودًا.
في المحصلة، تمثل مذكرة التفاهم بين وزارة الصحة وشركة «فياترس» خطوة نوعية نحو ترسيخ مفهوم الصحة النفسية كأولوية وطنية، تتطلب التخطيط، والشراكة، والاستدامة. وهي رسالة واضحة بأن الدولة المصرية، بقيادة مؤسساتها الصحية، تمضي بثبات نحو بناء منظومة نفسية حديثة، تضع الإنسان في قلب السياسات الصحية، وتترجم أهداف «رؤية مصر 2030» من شعارات إلى ممارسات واقعية، قادرة على إحداث فارق حقيقي في حياة المواطنين.