عبدالرحيم عبدالباري
تعكس المؤشرات الرقمية في القطاع الصحي حجم الجهد المبذول بقدر ما تكشف عن ملامح الرؤية الاستراتيجية للدولة في بناء منظومة صحية قادرة على تلبية احتياجات المواطنين. وفي هذا الإطار، يأتي إعلان وزارة الصحة والسكان عن تقديم أكثر من 34 مليون خدمة طبية بمراكز ومستشفيات أمانة المراكز الطبية المتخصصة خلال تسعة أشهر فقط من عام 2025، ليعكس ليس فقط كثافة التشغيل، بل أيضًا اتساع نطاق الخدمات وتنوعها. هذه الأرقام لا يمكن قراءتها بمعزل عن توجيهات القيادة السياسية التي تضع صحة المواطن في مقدمة الأولويات الوطنية، وتربط بين جودة الرعاية الصحية والتنمية الشاملة.
إجمالي الخدمات الطبية المقدمة، والبالغ عددها 34,842,938 خدمة خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2025، يعكس ضغطًا تشغيليًا كبيرًا تتحمله منشآت أمانة المراكز الطبية المتخصصة. وأوضح الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن هذه الخدمات شملت قطاعات حيوية مثل الطوارئ والاستقبال والعيادات الخارجية، إلى جانب خدمات الغسيل الكلوي والرعاية المركزة والعلاج الطبيعي. ويكشف هذا التنوع عن طبيعة الدور المحوري الذي تلعبه هذه المراكز في التعامل مع الحالات الحرجة والمزمنة على حد سواء، ما يجعلها خط دفاع أساسي في المنظومة الصحية المصرية.
ويمثل التوسع في الخدمات التخصصية أحد أبرز ملامح هذا الأداء، حيث شملت الأرقام جلسات علاج الأورام الإشعاعي والكيماوي، والقسطرة القلبية الطرفية والمخية، وهي خدمات عالية التكلفة وتتطلب تجهيزات متقدمة وكوادر مدربة. هذا التوجه يعكس انتقالًا تدريجيًا من الاكتفاء بالخدمات الأساسية إلى تعميق التخصص، بما يخفف العبء عن المستشفيات الجامعية والخاصة، ويوفر للمواطن خدمات دقيقة داخل مظلة القطاع الحكومي، وهو ما يعزز مفهوم العدالة الصحية وتكافؤ الفرص في الحصول على العلاج.
وفي سياق المبادرات الرئاسية للصحة العامة، أشار الدكتور حسام عبد الغفار إلى تقديم 23,871,594 خدمة منذ انطلاق هذه المبادرات وحتى سبتمبر 2025، وهو رقم يعكس نجاح هذه البرامج في الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع. كما سجلت العيادات المسائية 2,123,679 خدمة بمشاركة 79 مستشفى، ما يعكس مرونة في تقديم الخدمة وتكيفًا مع احتياجات المواطنين خارج أوقات العمل الرسمية. هذه المؤشرات تؤكد أن الدولة لا تكتفي بتوسيع البنية التحتية، بل تعمل على تعظيم الاستفادة منها عبر نماذج تشغيل مبتكرة.
وتبرز مبادرات محددة مثل مبادرة صحة المرأة ومبادرة علاج الأورام السرطانية كأمثلة على الاستهداف الذكي للاحتياجات الصحية. فقد تم تقديم 689,477 خدمة في إطار مبادرة صحة المرأة بمشاركة 35 مستشفى، بينما استفاد 233,534 مريضًا من مبادرة علاج الأورام عبر 52 مستشفى. كما انتهى علاج 430,211 حالة ضمن مبادرة القضاء على قوائم الانتظار بمشاركة 66 مستشفى، وهو ما يعكس قدرة حقيقية على التعامل مع تراكمات تاريخية كانت تمثل عبئًا نفسيًا وصحيًا على آلاف الأسر.
وعلى مستوى البنية التحتية، أشار المتحدث الرسمي إلى الانتهاء من تنفيذ واستلام 13 مشروعًا، مع استمرار العمل في 35 مشروعًا آخر، إلى جانب استحداث خدمات متخصصة في الأعصاب والقلب والأورام والكبد وطب العيون والأسنان بعدد من المستشفيات. ومن جانبها، أوضحت الدكتورة مها إبراهيم، رئيس أمانة المراكز الطبية المتخصصة، أنه تم تزويد المستشفيات بأحدث الأجهزة، من بينها 12 جهاز ماموجرام، وجهاز PET-CT، وجهاز جاما كاميرا، وهو ما يرفع من دقة التشخيص وجودة العلاج، ويدعم التوجه نحو الطب الحديث القائم على التكنولوجيا.
وفي محور التدريب والجودة، أكد الدكتور أحمد رزق، نائب رئيس الأمانة، اعتماد مركز تدريب مستشفى الشيخ زايد التخصصي من المجلس الصحي المصري، إلى جانب حصول عدد من المستشفيات على شهادات أيزو دولية. كما حقق مستشفى المنصورة الدولي اعتمادات مرموقة في مجالات مكافحة مقاومة المضادات الحيوية ووحدات السكتة الدماغية. هذه الخطوات تؤكد أن الاستثمار في العنصر البشري لا يقل أهمية عن الاستثمار في المباني والأجهزة، وأن الجودة أصبحت معيارًا أساسيًا في تقييم الأداء الصحي.
في المجمل، تكشف هذه المؤشرات عن منظومة صحية تتحرك وفق رؤية واضحة تستند إلى التوسع، والتخصص، والجودة، والتدريب المستمر. فالأرقام المعلنة ليست مجرد إحصاءات، بل تعبير عن فلسفة دولة تسعى إلى بناء نظام صحي مستدام يواكب أهداف «رؤية مصر 2030». ومع استمرار تطوير المنشآت ودعم المبادرات القومية، تظل صحة المواطن محور السياسات العامة، وضمان الحصول على خدمة صحية آمنة ومتكاملة عنوانًا لمرحلة جديدة من العمل الصحي المؤسسي.