حسين السمنودي
في إطار الدور التنويري الذي تضطلع به وزارة الأوقاف، احتضن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية لقاءً دعويًا وفكريًا بالغ الأهمية تحت عنوان: عملك ميزانك… أفضل نعمة، وهو عنوان يحمل في طياته رؤية عميقة لمعنى العمل في الإسلام، ويعيد الاعتبار لقيمة الإتقان بوصفه عبادة، وللأمانة باعتبارها أساس العمران وبناء الإنسان. وقد جاء هذا اللقاء ليؤكد أن الخطاب الديني الواعي لا ينفصل عن واقع الناس، ولا يغفل عن القضايا التي تمس حياتهم اليومية، وفي مقدمتها العمل والانضباط والمسؤولية.
وقد ألقى المحاضرة الدكتور سعيد حامد، وكيل مديرية أوقاف القاهرة، الذي قدّم طرحًا دعويًا متكاملًا يعكس عالمًا يدرك جوهر الرسالة، ويعي طبيعة المرحلة، ويملك القدرة على الربط بين النص الشرعي والواقع المعاش. تناول سيادته مفهوم العمل من منظور إيماني شامل، مؤكدًا أن العمل في الإسلام ليس وسيلة للرزق فقط، بل ميزان تُوزن به القيم، وميدان يُختبر فيه صدق الإيمان، وأن أفضل النِّعم التي يمنحها الله للإنسان بعد نعمة الإيمان هي نعمة القدرة على العطاء، لا الاكتفاء بالأخذ، ونعمة الضمير الحي الذي يحول دون التقصير ولو غابت الرقابة.
وأوضح الدكتور سعيد حامد أن إتقان العمل فريضة شرعية قبل أن يكون مطلبًا إداريًا، وأن التقصير خيانة للأمانة، وأن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل يبدأ سقوطها حين يختل ميزان العمل، وتغيب المسؤولية، ويتحول المنصب إلى مصلحة، والوظيفة إلى مكسب شخصي، وتُغيب الرقابة الذاتية. كما شدد على أن الداعية مطالب بأن يكون أول من يلتزم بما يدعو إليه، لأن الناس تنظر إلى الأفعال قبل الأقوال، وإلى السلوك قبل الشعارات.
وجاءت المحاضرة كاشفة عن مدرسة دعوية واعية يتبناها وكيل مديرية أوقاف القاهرة، مدرسة تقوم على البناء لا الهدم، وعلى تصحيح المفاهيم لا مجاملة الأخطاء، وعلى مخاطبة العقل والقلب معًا، بما يعيد للدعوة هيبتها، وللمنبر مكانته، وللعلم دوره الحقيقي في صناعة الوعي. وهي رؤية تؤكد أن الدعوة ليست كلمات تُلقى، بل قدوة تُحتذى، ومسؤولية تُؤدى، ورسالة تُعاش في تفاصيل الحياة اليومية.
كما أبرز اللقاء الدور الريادي والمحوري الذي يقوم به الدكتور سعيد حامد داخل مديرية أوقاف القاهرة، باعتباره أحد الأعمدة الدعوية التي تعمل على بناء جيل من الأئمة والدعاة يدرك أن الدعوة تكليف ثقيل، وأن خدمة الدين والوطن مسؤولية لا تقبل التهاون. وقد عكس حديثه خبرة عملية طويلة، ورؤية ناضجة، وإيمانًا راسخًا بأن المؤسسات الدينية تتحمل مسؤولية مضاعفة في ترسيخ ثقافة الإتقان والانضباط، لأن أي خلل في ميزان العمل داخلها ينعكس مباشرة على صورة الدين في نفوس الناس.
إن هذا اللقاء الدعوي لم يكن مجرد فعالية علمية أو محاضرة عابرة، بل كان محطة وعي حقيقية، أعادت ترتيب المفاهيم، وضبطت ميزان القيم، وأكدت أن إصلاح الأوطان لا يبدأ من القمم، بل من مواقع العمل اليومية، وأن نهضة المجتمعات لا تتحقق بالخطب الرنانة، وإنما برجال ونساء جعلوا من أعمالهم عبادات، ومن أوقاتهم أمانة، ومن مواقعهم مسؤولية. لقد رسخ اللقاء رسالة واضحة مفادها أن ميزان العمل هو الفيصل بين أمة حية تسير إلى الأمام، وأمة تستهلك نفسها في الشعارات، وأن أفضل النِّعم هي أن يؤدي الإنسان عمله بصدق وإخلاص، ويغادر موقعه وقد ترك أثرًا نافعًا، وسيرة طيبة، وشهادة حق تشهد له لا عليه، وهي الرسالة التي جسدها عالم من علماء الدعوة بوزارة الأوقاف، الدكتور سعيد حامد، بفكره ومنهجه وحضوره الدعوي الواعي.