شاهدت الفيديو الذي أثار الجدل في الأيام الماضية، وكنت متأثرا من مشهد الشاب إسلام وهو يتعرض للإهانة، لكن بعيدا عن الصدمة والغضب، شعرت بالحاجة لأن أكتب عن الحقيقة الأكبر، أن ميت عاصم ليست هذا المشهد، وأن أهلها لا يمكن اختزالهم في لحظة خطأ.
هذه المقالة ليست مجرد سرد لوقائع، بل محاولة لنقل الصورة الكاملة للتحقيقات القانونية، وحقوق المجني عليه، وفي الوقت نفسه الثناء على أهل القرية الذين عرفوا عبر السنوات بالطيبة والكرامة والالتزام بالقيم الإنسانية.
فور انتشار المقطع تحركت الاجهزة الامنية بوزارة الداخلية، حيث تبين ان مركز شرطة بنها تلقى بلاغا بالواقعة، جرت التحريات وتم تحديد وضبط المتهمين بسرعة، كما استدعت جهات التحقيق عمدة القرية لسماع اقواله في اطار استكمال التحقيقات وكشف كل تفاصيل الواقعة، لتأكيد ان العدالة تقوم على الحقائق لا الانطباعات.
اسفرت التحقيقات عن ضبط 9 متهمين، اقروا في محضر التحريات بان خلافات عائلية مرتبطة بعلاقة عاطفية كانت الدافع وراء الاعتداء، وقررت نيابة مركز بنها حبس 6 منهم اربعة ايام على ذمة التحقيقات، مع اخلاء سبيل 3 اخرين بعدما نفى المجني عليه التهمة عنهم، وتم التحفظ على الهواتف المستخدمة في تصوير الواقعة.
وتنفيذا لقرار النيابة خضع المجني عليه لفحوصات طبية بمستشفى بنها التعليمي، وكشف التقرير الطبي عن اصابته بكسر في الانف مع الاشتباه في كسر بعظام الفك العلوي من الناحية اليمنى، الى جانب تورم حول العينين واحمرار بهما.
بعيدا عن تفاصيل التحقيق، تبقى الحقيقة الاهم ان ما حدث هو فعل افراد لا يعبر عن مجتمع كامل، ميت عاصم ليست مشهدا عابرا، بل قرية مصرية اصيلة يعرف اهلها بعضهم بعضا، يقفون صفا واحدا في الشدة قبل الرخاء، عبر سنوات طويلة عرف عن اهل القرية الترابط والتكافل واحترام الكبير ومساندة الصغير، وقد عبر كثير من ابناء القرية عن استيائهم مما جرى، مؤكدين دعمهم الكامل لتطبيق القانون ومحاسبة كل من يثبت تورطه، فالكرامة في الريف المصري ليست شعارا، بل قيمة متجذرة في السلوك اليومي والعلاقات الانسانية.
سيادة القانون تقتضي محاسبة المخطئ، وهذا ما يجري بالفعل، لكن الانصاف يقتضي الا نعمم والا نسمح للغضب ان يحكم على مجتمع كامل.
تبقى ميت عاصم اكبر من واقعة، واهلها اكبر من خطأ افراد، هي قرية بتاريخ طويل من الطيبة والشهامة وستظل كذلك مهما حاولت لحظة عابرة ان تحجب صورتها الحقيقية.