عبدالرحيم عبدالباري
في عالم تتزايد فيه التحديات الصحية وتتقلب فيه سلاسل الإمداد العالمية، تصبح القدرة على تأمين الدواء والمستلزمات الطبية مسألة أمن قومي وصحي في آن واحد. ومن هذا المنطلق، جاء الاجتماع الموسع الذي عقده خالد عبدالغفار وزير الصحة والسكان لمتابعة موقف سلاسل الإمداد الدوائي والطبي في مصر، في رسالة واضحة بأن الدولة تضع صحة المواطن في مقدمة أولوياتها. فالاطمئنان على المخزون الاستراتيجي من الأدوية والمستلزمات لم يعد مجرد إجراء إداري، بل يمثل ركيزة أساسية لضمان استمرار تقديم الرعاية الصحية بكفاءة واستقرار في مختلف أنحاء الجمهورية.

يعكس هذا الاجتماع رؤية استراتيجية واضحة لإدارة منظومة الدواء في مصر، تقوم على التخطيط المسبق والمتابعة الدقيقة لمستويات المخزون والإمدادات الطبية. وقد شدد وزير الصحة خلال اللقاء على ضرورة ضمان استمرارية توافر الأدوية والخامات والأجهزة والمستلزمات الطبية بكميات كافية ومستقرة، بما يضمن تقديم الخدمات الصحية للمواطنين دون أي انقطاع. ويأتي هذا التوجه في إطار إدراك الدولة لحساسية ملف الدواء باعتباره أحد الأعمدة الرئيسية في المنظومة الصحية، حيث لا يمكن تحقيق الرعاية الطبية المتكاملة دون وجود إمدادات دوائية مستقرة وموثوقة.
وخلال الاجتماع، أكد حسام عبدالغفار المتحدث الرسمي لوزارة الصحة أن مصر تمتلك خبرات متراكمة وناجحة في إدارة الأزمات الصحية، وهو ما مكّنها من التعامل بكفاءة مع التحديات التي قد تواجه قطاع الدواء. وأوضح أن الدولة اتخذت بالفعل إجراءات استباقية واحترازية لحماية المخزون الاستراتيجي من الأدوية والمستلزمات الطبية، بما يضمن استقراره واستمرارية توافره. هذه الإجراءات تعكس نهجًا احترافيًا يعتمد على الاستعداد المبكر بدلًا من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها.
كما شدد الوزير على أهمية التنسيق المستمر بين جميع الجهات المعنية لضمان استقرار سلاسل الإمداد الدوائي والطبي، مؤكدًا أن الدولة ملتزمة بالحفاظ على استقرار الأسواق وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين بأعلى مستويات الجودة والكفاءة. ويأتي ذلك تنفيذًا لتوجيهات عبدالفتاح السيسي التي تؤكد ضرورة تعزيز قدرة الدولة على تأمين احتياجات المواطنين الأساسية، خاصة في القطاعات الحيوية التي تمس حياة الإنسان وصحته بشكل مباشر.
وفي خطوة تعكس جدية المتابعة، وجه وزير الصحة بتشكيل لجنة دائمة تضم جميع الجهات المعنية لمتابعة أوضاع توافر الأدوية والمستلزمات بشكل يومي. وستتولى هذه اللجنة رصد أي متغيرات في السوق الدوائي، سواء كانت إيجابية أو قد تشكل تحديات مستقبلية، مع اتخاذ الإجراءات الفورية لضمان استمرار الإمدادات دون أي خلل. ويعد هذا التوجه نموذجًا متقدمًا للإدارة الصحية الحديثة التي تعتمد على الرصد المستمر واتخاذ القرارات السريعة للحفاظ على استقرار المنظومة.
وخلال الاجتماع، استمع الوزير إلى عرض تفصيلي قدمه علي الغمراوي رئيس هيئة الدواء المصرية، والذي أوضح أن مؤشرات المخزون الاستراتيجي للدواء في مصر إيجابية للغاية. فقد تم استيراد نحو 55% من الخامات الدوائية المطلوبة للعام الجاري، فيما تغطي 80% من المواد الفعالة المتوفرة في السوق أكثر من ثلاثة أشهر من الإنتاج، بينما تغطي 18% منها شهرين على الأقل، مع عدم وجود أي مادة تقل فترة تغطيتها عن شهر واحد. هذه الأرقام تعكس بوضوح قوة واستقرار الإمدادات الدوائية خلال عام 2026.
كما أكد هشام ستيت رئيس الهيئة المصرية للشراء الموحد أن المخزون المتاح لدى الشركات يقع ضمن الحدود الآمنة، مشيرًا إلى وجود موقف مطمئن للغاية فيما يتعلق بالمستلزمات الطبية. وأضاف أن أي تحديات قد تظهر يتم التعامل معها بفعالية عبر التنسيق المستمر بين الجهات المعنية. وناقش الاجتماع أيضًا مقترح إطلاق مبادرة تمويلية لدعم الشركات الدوائية بهدف تعزيز المخزون الاستراتيجي ليغطي احتياجات عام كامل، بما يعزز استدامة الإمدادات ويضمن استقرار السوق الدوائي على المدى الطويل.
إن تأمين الدواء والمستلزمات الطبية ليس مجرد ملف إداري داخل وزارة الصحة، بل هو قضية تمس حياة الملايين وثقتهم في منظومة الرعاية الصحية. ومن خلال هذه التحركات الاستباقية والاجتماعات التنسيقية المستمرة، تؤكد الدولة المصرية قدرتها على حماية أمنها الدوائي وضمان استقرار الإمدادات الطبية في كل الظروف. وهكذا تواصل المنظومة الصحية في مصر بناء حصن قوي من التخطيط والجاهزية، ليبقى الدواء متوفرًا والطمأنينة حاضرة في قلب كل مواطن.