مع تصاعد التوترات والحروب في المنطقة، يزداد الشعور بأن مؤسسات العمل العربي المشترك لم تعد قادرة على أداء دورها الحقيقي. فكلما اندلعت أزمة جديدة، يغيب الصوت الجماعي وتتراجع المبادرات المشتركة، وكأن المؤسسات التي وُجدت لحماية المصالح العربية أصبحت مجرد هياكل بلا تأثير. وفي هذا السياق يطرح كثيرون سؤالًا صادمًا: هل ماتت فعليًا منظومات التعاون العربي مثل و؟
لقد تأسس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 ليكون إطارًا للتكامل السياسي والأمني والاقتصادي بين دول الخليج، بينما وُجدت جامعة الدول العربية منذ عام 1945 كمنصة تجمع الدول العربية وتنسق مواقفها. لكن الواقع خلال السنوات الأخيرة كشف عن ضعف واضح في قدرة هاتين المؤسستين على إدارة الأزمات الكبرى أو منع الصراعات التي تهدد المنطقة.
الحرب الدائرة اليوم في الخليج – بتشابكاتها الإقليمية والدولية – جعلت بعض المحللين يصفونها بأنها حرب الخليج الثالثة. فبعد التي اندلعت بين و بين عامي 1980 و1988، ثم التي بدأت مع عام 1990، تبدو المنطقة اليوم وكأنها تدخل مرحلة صراع ثالث، لكن هذه المرة في بيئة أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل المصالح الدولية مع الانقسامات الإقليمية.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الحرب ذاتها، بل في تفكك الموقف الخليجي والعربي أمامها. فعندما تختلف الدول في الرؤى والاستراتيجيات، تصبح المنطقة أكثر عرضة للضغوط الخارجية ولتحويلها إلى ساحة صراع بالوكالة. وهنا يظهر الفراغ الذي تركه ضعف مؤسسات العمل المشترك.
لكن التاريخ يثبت أن الحروب، رغم مآسيها، قد تكون نقطة تحول. فبعد كل أزمة كبرى يولد وعي جديد بضرورة التعاون والوحدة. ولذلك فإن الدرس الأهم من هذه الحرب المدمرة هو أن أمن الخليج لا يمكن أن يتحقق إلا بتكاتف دوله. لا يمكن لأي دولة أن تواجه التحديات منفردة في عالم مليء بالتنافس الجيوسياسي.
إن المرحلة القادمة تتطلب إعادة إحياء روح التضامن داخل مجلس التعاون الخليجي، وإصلاح آليات العمل داخل جامعة الدول العربية بحيث تصبح قادرة على اتخاذ قرارات حقيقية وفاعلة. فالوحدة ليست شعارًا سياسيًا فقط، بل ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار والتنمية في المنطقة.
وفي النهاية، تكشف هذه الحرب حقيقة قاسية لطالما حاولت بعض الدول تجاهلها. فقد بنت دول الخليج لسنوات طويلة أمنها على وعود الحماية الخارجية، وعلى رأسها ، معتقدة أن التحالفات العسكرية والصفقات الضخمة كفيلة بضمان الاستقرار. لكن ما أثبتته الأحداث هو أن السياسة الدولية لا تُبنى على العواطف ولا على الوعود، بل على المصالح فقط.
لقد دفعت دول الخليج مليارات الدولارات في صفقات السلاح والاتفاقيات الأمنية، بينما كانت واشنطن تقدم نفسها كحارسٍ للمنطقة. غير أن لحظة الحقيقة أظهرت أن هذه الحماية لم تكن سوى مظلة مؤقتة، تُفتح حين تخدم المصالح وتُغلق عندما تتغير الحسابات. وهكذا وجدت دول المنطقة نفسها في قلب النيران، تواجه حربًا مدمرة بينما القوى الكبرى تراقب المشهد من بعيد.
إن الدرس الأهم الذي يجب أن يخرج به الخليج من هذه المرحلة هو أن الأمن الحقيقي لا يُشترى بالمال، ولا يُستورد من الخارج. الأمن يصنعه التكاتف الداخلي، والتفاهم بين الدول، وبناء منظومة إقليمية قوية قادرة على حماية نفسها بنفسها.
لذلك، إذا كانت هذه الحرب تُوصف بأنها حرب الخليج الثالثة، فيجب أن تكون أيضًا اللحظة التي يستيقظ فيها الخليج من وهم الحماية الأجنبية. فالمستقبل لن يُبنى إلا إذا وقفت دول الخليج صفًا واحدًا، بقرار مستقل وإرادة مشتركة، لأن المنطقة لا تحتاج إلى أوصياء بقدر ما تحتاج إلى وحدة حقيقية بين أبنائها.
وعندها فقط لن يكون ما حدث نهاية مرحلة فحسب، بل بداية وعي جديد: أن الخليج لا يحميه إلا الخليج، وأن الوحدة بعد الحرب ليست خيارًا سياسيًا… بل ضرورة للبقاء.