عبدالرحيم عبدالباري
في زمن تتسارع فيه التحديات الجيوسياسية وتضطرب فيه سلاسل الإمداد العالمية، تظل منظومة الدواء أحد أهم أعمدة الأمن القومي الصحي لأي دولة. وفي مصر، يبرز مشهد مختلف يعكس قدرة الدولة على إدارة هذا الملف الحيوي بكفاءة ووعي استراتيجي. فبين القلق العالمي من نقص الأدوية، تقف السوق المصرية نموذجًا للاستقرار، مدعومة بجهود رقابية وتنظيمية دقيقة، ورسائل طمأنة واضحة تؤكد أن صحة المواطن تأتي في صدارة الأولويات.
أكد الدكتور يس رجائي، مساعد رئيس هيئة الدواء المصرية، أن سوق الدواء في مصر يشهد حالة من الاستقرار الملحوظ، رغم التحديات العالمية الراهنة. هذا الاستقرار لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج متابعة دقيقة ومستمرة من قبل هيئة الدواء المصرية التي تعمل على مدار الساعة لضبط إيقاع السوق، والتأكد من توافر الأدوية بشكل طبيعي. وتأتي هذه الجهود في وقت حساس تتزايد فيه المخاوف عالميًا من اضطرابات الإمداد، مما يجعل التجربة المصرية محل تقدير وثقة متزايدة.
وأشار رجائي إلى أن الهيئة تعتمد على منظومة متكاملة من التواصل المستمر مع شركاء الصناعة الدوائية، سواء من المصنعين أو الموردين، لضمان استقرار السوق. هذا التنسيق الدائم يساهم في استباق أي أزمات محتملة، ويتيح اتخاذ قرارات سريعة وفعالة تحافظ على توافر المستحضرات الدوائية. كما يعكس هذا النهج إدراكًا عميقًا لطبيعة التحديات الراهنة، التي تتطلب تعاونًا وثيقًا بين جميع الأطراف المعنية لضمان استمرارية الخدمات الصحية دون انقطاع.
وفي إطار تعزيز الأمن الدوائي، أوضح مساعد رئيس الهيئة أن مصر تمتلك مخزونًا استراتيجيًا من الأدوية والمستحضرات الحيوية يكفي لفترات تصل إلى ستة أشهر في أغلب الأصناف. هذا الاحتياطي يمثل خط دفاع قوي ضد أي تقلبات مفاجئة في السوق العالمي، ويمنح الدولة مساحة زمنية كافية للتعامل مع أي طارئ. كما يعكس هذا المخزون رؤية استباقية تعتمد على التخطيط بعيد المدى، بما يضمن عدم تأثر المرضى بأي نقص محتمل في الأدوية الحيوية.
وتكشف المؤشرات الحالية لمخزون الدواء عن صورة إيجابية تعزز ثقة المواطنين، حيث تم استيراد نحو 55% من الخامات الدوائية اللازمة للعام الجاري، فيما تتمتع 80% من المواد الفعالة بمخزون يغطي أكثر من ثلاثة أشهر من الإنتاج. كما أن نسبة 18% من هذه المواد تكفي لمدة شهرين على الأقل، دون وجود أي مادة تقل مدة تغطيتها عن شهر واحد. هذه الأرقام تعكس قوة منظومة الإمداد الدوائي، وتؤكد أن السوق المصرية تسير بخطى ثابتة نحو الاستقرار.
ولم تغفل الهيئة أهمية متابعة سلاسل الإمداد بشكل لحظي، حيث تواصل رصد حركة الشحنات الدوائية وانتظام التوريدات، بالتنسيق الكامل مع الشركات العاملة في السوق. هذه المتابعة الدقيقة تضمن سرعة التعامل مع أي خلل قد يطرأ، وتمنع تفاقم الأزمات قبل حدوثها. كما تعكس هذه الجهود التزامًا واضحًا بالحفاظ على استقرار السوق، وتوفير الأدوية بشكل مستمر، بما يلبي احتياجات المرضى دون أي معوقات.
ومن أبرز نقاط القوة التي يتمتع بها قطاع الدواء في مصر، ارتفاع نسبة توطين الصناعة لتصل إلى 91%، وهو ما يمثل إنجازًا استراتيجيًا يعزز من قدرة الدولة على مواجهة الأزمات العالمية. هذا التوطين يقلل من الاعتماد على الاستيراد، ويدعم الإنتاج المحلي، مما يساهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي إلى حد كبير. كما يمنح السوق مرونة أكبر في التعامل مع المتغيرات الدولية، ويعزز من قدرة مصر على تأمين احتياجاتها الدوائية في مختلف الظروف.
في النهاية، تؤكد تجربة مصر في إدارة ملف الدواء أن التخطيط الجيد، والرقابة الفعالة، والتكامل بين مؤسسات الدولة، يمكن أن يصنع فارقًا حقيقيًا في حياة المواطنين. وبينما يواجه العالم تحديات غير مسبوقة، تواصل مصر تقديم نموذج يُحتذى به في حماية صحة شعبها. إنها رسالة طمأنة لكل مواطن، بأن الدواء متوفر، وأن الدولة يقظة، وأن صحة الإنسان ستظل دائمًا على رأس الأولويات مهما اشتدت الأزمات.