عبدالرحيم عبدالباري
في وقتٍ تتزايد فيه التحديات الصحية عالميًا، وتعود بعض الأمراض للظهور في بؤر متفرقة، تبرز مصر كنموذج استثنائي في السيطرة والوقاية، لتعلن بثقة أن الالتهاب السحائي لم يعد تهديدًا وبائيًا داخل حدودها. لم يكن هذا الإعلان مجرد تصريح رسمي، بل خلاصة عقود من العمل المنهجي والتخطيط العلمي، الذي وضع صحة المواطن في مقدمة الأولويات، ورسّخ منظومة وقائية متكاملة أصبحت محل تقدير دولي. إنها قصة نجاح تُكتب بسواعد الأطباء، وتُتوّج بثقة المؤسسات العالمية.
أكدت وزارة الصحة والسكان أن الالتهاب السحائي، رغم خطورته، أصبح تحت السيطرة الكاملة في مصر، حيث لم يتم تسجيل أي تفشيات وبائية للمرض منذ عام 1989، وهو إنجاز يعكس قوة النظام الصحي في التعامل مع الأمراض المعدية. ويُعد هذا المرض من أخطر الالتهابات التي تصيب الأغشية المحيطة بالمخ والحبل الشوكي، خاصة النوع البكتيري الناتج عن النيسيريا السحائية، والذي يتميز بسرعة انتشاره وارتفاع معدلات الوفيات في حال عدم التعامل معه بشكل فوري ودقيق.
وفي الوقت الذي تشهد فيه بعض الدول تفشيات محدودة خلال عام 2026، مثل ما حدث في جمهورية الكونغو الديمقراطية وإنجلترا، حيث سُجلت حالات إصابة ووفيات بين طلاب المدارس والجامعات، تؤكد مصر أنها خارج دائرة الخطر، بفضل منظومة ترصد وبائي دقيقة تعمل على مدار الساعة. هذه المقارنة تبرز الفارق بين الاستجابة المتأخرة والإدارة الاستباقية، التي تنتهجها الدولة المصرية، والتي تعتمد على التنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها.
وتستند هذه النجاحات إلى استراتيجية وطنية متكاملة يقودها قطاع الطب الوقائي، ترتكز على عدة محاور رئيسية، في مقدمتها الترصد الوبائي الفعال، الذي يشمل أنظمة رصد روتينية ومعملية متطورة، تتيح الكشف المبكر عن أي حالة مشتبه بها، مع تطبيق تعريفات موحدة للحالات، وضمان الإبلاغ الفوري والعزل وفقًا لأحدث البروتوكولات العالمية. هذه المنظومة تمثل خط الدفاع الأول، الذي يمنع تحول الحالات الفردية إلى بؤر انتشار.
كما تلعب الإجراءات الوقائية دورًا محوريًا في كسر سلاسل العدوى، حيث تقوم فرق الطب الوقائي بإجراء تقصٍ وبائي شامل لكل حالة، مع متابعة دقيقة للمخالطين لمدة عشرة أيام، وتقديم العلاج الوقائي اللازم، مثل عقار الريفامبيسين، لمنع انتقال العدوى. هذه الاستجابة السريعة تعكس جاهزية الفرق الطبية، وقدرتها على التحرك الفوري، بما يضمن احتواء أي تهديد محتمل قبل أن يتفاقم.
ولا يمكن إغفال الدور الحيوي لبرامج التطعيم، التي تُعد حجر الأساس في هذه المنظومة، حيث توفر الدولة ملايين الجرعات سنويًا من اللقاحات السحائية، سواء الثنائية أو الرباعية، لتغطية طلاب المدارس والفئات الأكثر عرضة للخطر، إلى جانب المسافرين إلى المناطق الموبوءة. كما تم إدراج لقاحات أخرى ضمن البرنامج القومي، مثل «الهيموفيلوس إنفلونزا نوع ب» ولقاح الدرن، مما يعزز المناعة المجتمعية ويقلل من فرص انتشار العدوى بشكل كبير.
وفي موازاة ذلك، تواصل مصر دعم البحث العلمي من خلال إجراء دراسات وبائية دورية، تهدف إلى رصد أنماط الميكروبات المتداولة، وفهم سلوكها، بما يساهم في تطوير استراتيجيات المواجهة. كما يتم تنفيذ مسوحات صحية للحجاج، للكشف المبكر عن حاملي البكتيريا، في خطوة استباقية تعكس وعي الدولة بأهمية الوقاية قبل العلاج، خاصة في ظل التجمعات البشرية الكبرى.
وقد أثمرت هذه الجهود عن نتائج ملموسة، أبرزها ارتفاع معدلات التغطية التطعيمية إلى أكثر من 95%، وانخفاض معدل الإصابة إلى مستويات متدنية للغاية، بلغت 0.03 حالة لكل 100 ألف نسمة خلال عام 2025، فضلًا عن عدم رصد أي حالات وبائية من الأنماط الخطرة منذ سنوات. هذه المؤشرات لا تعكس فقط نجاحًا محليًا، بل تؤهل مصر للحصول على شهادة رسمية من منظمة الصحة العالمية، تقديرًا لجهودها في القضاء على المرض، تماشيًا مع الأهداف العالمية لعام 2030.
في الختام، تقف مصر اليوم على أعتاب إنجاز عالمي جديد، لا يُقاس فقط بالأرقام، بل بما يحمله من دلالات إنسانية وصحية عميقة. إنها رسالة تؤكد أن الاستثمار في الوقاية، والاعتماد على العلم، وتكامل مؤسسات الدولة، يمكن أن يصنع الفارق الحقيقي في حياة الشعوب. وبينما تستعد مصر لنيل شهادة دولية، فإنها في الحقيقة قد حصلت بالفعل على شهادة ثقة من شعبها، بأن صحته في أيدٍ أمينة، وأن المستقبل الصحي يسير بخطى ثابتة نحو الأمان.