كنت أجلس في أحد الأماكن العامة أتابع نشرة إخبارية على شاشة التلفزيون المصري، بينما يدور بجواري حديث عفوي بين مجموعة من المواطنين عن الموضوع ذاته الذي تتناوله النشرة، ولم يكن اللافت اختلاف الآراء بقدر ما كان الفارق الواضح بين ما يعرض على الشاشة وما يتداوله الناس في حديثهم اليومي، قال أحدهم بهدوء، الكلام اللي بنسمعه حاجة واللي بنعيشه حاجة تانية خالص.
توقفت عند هذه الجملة طويلا، لأنها لم تكن مجرد رأي عابر، بل تعبير صادق عن شعور يتكرر كثيرا في الشارع، ومن هنا بدأ السؤال يفرض نفسه: لماذا لم يعد الخطاب الإعلامي يصل كما ينبغي؟ ولماذا يشعر البعض أن ما يقال لا يلامس ما يعيشونه بالفعل؟
لم تعد الإشكالية في المشهد الإعلامي تتعلق بنقص المعلومات أو ضعف الإمكانيات، بل أصبحت أكثر عمقا وتعقيدا، ترتبط أساسا بتراجع جسور الثقة بين وسائل الإعلام والجمهور.
لقد أصبح المواطن اليوم أكثر وعيا وقدرة على التمييز، بل وأكثر جرأة في الحكم على ما يعرض عليه، ولم يعد يتلقى الرسائل الإعلامية باعتبارها حقائق مسلما بها، بل أصبح يقارن ويحلل ويعيد التفسير، مستندا إلى مصادر متعددة، بعضها مهني وكثير منها غير مهني، لكنها جميعا تلبي لديه احتياجا أساسيا يتمثل في الإحساس بأنه يقترب من الحقيقة.
وهنا تتجلى الإشكالية الأعمق، ليست في غياب المعلومة، بل في طريقة تقديمها، فالجمهور لم يعد يبحث فقط عن ماذا حدث، بل عن كيف حدث ولماذا حدث، إنه يطلب تفسيرا وشفافية وقربا من تفاصيل واقعه اليومي، بينما لا يزال جزء من الخطاب الإعلامي يقدم صورة تبدو أحيانا بعيدة عن إدراك المواطن أو غير معبرة بالقدر الكافي عن تحدياته اليومية.
وقد ملأ هذا الفراغ بدرجة كبيرة انتشار منصات التواصل الاجتماعي، التي نجحت – رغم ما يوجه إليها من ملاحظات مهنية – في تقديم نموذج يقوم على السرعة والتفاعل والاقتراب من نبض الشارع، وهو ما يعكس حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن الجمهور وجد فيها ما لم يجده في بعض وسائل الإعلام التقليدية.
وتبقى القضية في جوهرها قضية تواصل قبل أن تكون قضية إعلام، فحين يبتعد الخطاب الإعلامي عن لغة الناس يفقد قدرته على التأثير، وحين لا يعكس الواقع كما يعيشه المواطن تتراجع مصداقيته تدريجيا، حتى وإن كانت نواياه مهنية وصادقة.
ولعل أخطر ما في الأمر أن معركة الوعي، التي تعد من أهم معارك الدولة الحديثة، لا تحسم فقط بتدفق المعلومات، بل تحسم بدرجة الثقة، فالمعلومة دون ثقة قد تثير الشك، ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في بنية الخطاب الإعلامي، ليس من باب النقد، بل من باب التطوير، إعلام يقترب أكثر من المواطن، يستمع قبل أن يتحدث، ويعكس الواقع دون مبالغة أو تجميل.
فالإعلام لا يخسر حين يخطئ، إذ إن كل عمل إنساني قابل للمراجعة والتصويب، لكنه يخسر حين يفقد قدرته على البقاء قريبا من الناس، وفي زمن تتسارع فيه التحديات، لا يبحث الجمهور عن إعلام مثالي بقدر ما يبحث عن إعلام يشبهه ويفهمه ويصدقه.