حسين السمنودي
في لحظة وطنية خالصة تعكس جوهر الشخصية المصرية التي صاغها التاريخ على مائدة المحبة والتسامح، جاءت زيارة الدكتور سعيد حامد البوريدي، وكيل وزارة الأوقاف بمحافظة بني سويف، إلى نيافة الأنبا غبريال أسقف كنيسة بني سويف، لتقديم التهنئة بعيد القيامة المجيد، كترجمة حقيقية لمعاني الأخوة الإنسانية التي لا تعرف شكلاً أو مناسبة، بل هي عقيدة راسخة في وجدان هذا الشعب العظيم.
لم تكن هذه الزيارة مجرد تهنئة عابرة بمناسبة دينية، بل كانت رسالة عميقة الدلالة، تحمل في طياتها تأكيدًا عمليًا على أن مصر ليست فقط أرضًا تتجاور فيها المساجد والكنائس، بل وطنًا تتشابك فيه القلوب قبل الأيدي، وتتلاقى فيه الأرواح على قيم مشتركة من الرحمة والإنسانية والاحترام المتبادل. فمنذ آلاف السنين، لم تعرف مصر الانقسام الحقيقي بين أبنائها، بل ظلت دائمًا نموذجًا فريدًا للتعايش، حيث يتحول الاختلاف إلى مصدر ثراء، والتنوع إلى قوة تدفع الوطن إلى الأمام.
وقد عبّر الدكتور سعيد حامد البوريدي خلال اللقاء عن اعتزاز وزارة الأوقاف بهذه المناسبة، مؤكدًا أن الأعياد في مصر لا تخص فئة دون أخرى، بل هي أعياد وطن بأكمله، يفرح فيها الجميع، ويتبادلون خلالها مشاعر الود والصفاء. وأشار إلى أن مثل هذه اللقاءات تعكس بوضوح دور المؤسسات الدينية في ترسيخ دعائم الاستقرار المجتمعي، ومواجهة محاولات بث الفرقة التي تسعى إليها قوى لا تريد لمصر الخير.
كما شدد على أن رسالة وزارة الأوقاف لا تقتصر على المنابر والمساجد، بل تمتد إلى بناء الإنسان الواعي القادر على احتضان الآخر، والتعامل معه بروح من الاحترام والمحبة، وهو ما يتجسد في هذه الزيارة التي تعكس فكرًا مستنيرًا ورؤية وطنية واعية، تدرك أن قوة مصر الحقيقية تكمن في وحدتها.
ومن جانبه، أعرب نيافة الأنبا غبريال عن تقديره الكبير لهذه اللفتة الطيبة، مؤكدًا أن ما يجمع المصريين أكبر بكثير من أي اختلاف، وأن روح المحبة التي تسود بين أبناء الوطن هي السد المنيع في وجه كل محاولات الفتنة. وأشار إلى أن الكنيسة المصرية كانت وستظل شريكًا أصيلًا في بناء هذا الوطن، جنبًا إلى جنب مع مؤسساته كافة، وعلى رأسها المؤسسات الدينية التي تلعب دورًا محوريًا في نشر القيم السمحة.
إن هذا المشهد، الذي يتكرر في كل مناسبة دينية، ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التعايش، شهد فيه العالم كيف وقف المصريون صفًا واحدًا في مواجهة الأزمات، وكيف امتزجت دماؤهم دفاعًا عن الأرض والعرض، دون النظر إلى دين أو عقيدة. من ثورات الشعب إلى معارك الدفاع عن الوطن، كانت الوحدة الوطنية دائمًا هي السلاح الأقوى الذي حمى مصر من السقوط.
وفي ظل ما يشهده العالم من صراعات طائفية ومذهبية، تبدو التجربة المصرية وكأنها رسالة إنسانية يجب أن تُدرس وتُحتذى، حيث تقدم نموذجًا حيًا لإمكانية التعايش الحقيقي بين أبناء الديانات المختلفة، ليس فقط في إطار من التسامح، بل في إطار من المحبة الصادقة والتكامل المجتمعي.
ولعل الأهم في هذا المشهد هو أنه يبعث برسالة واضحة إلى الأجيال الجديدة، بأن ما يجمعهم هو الوطن، وأن الحفاظ عليه لا يكون إلا بالتمسك بقيم التعايش والاحترام، ورفض كل دعوات الكراهية والانقسام. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالمواقف، وهذه الزيارة تمثل موقفًا حقيقيًا يعبر عن وعي عميق بأهمية اللحمة الوطنية.
كما أن هذه اللفتة تعكس إدراكًا كبيرًا من القيادات الدينية في مصر، سواء في الأزهر الشريف أو الكنيسة، بأن دورهم لا يقتصر على الجانب الروحي فقط، بل يمتد إلى حماية المجتمع من الأفكار الهدامة، والعمل على تعزيز ثقافة الحوار وقبول الآخر، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على استقرار الوطن وأمنه.
وفي ختام هذا المشهد الإنساني النبيل، تتجدد الدعوات الصادقة بأن يحفظ الله مصرنا الحبيبة من كل سوء، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يظل شعبها نسيجًا واحدًا لا يعرف الفرقة، وأن يعم السلام سائر بلاد العالمين، لتبقى مصر كما كانت دائمًا، منارة للوسطية، وواحة للأمان، ونموذجًا فريدًا في التعايش الإنساني.