عبدالرحيم عبدالباري
في خطوة تعكس تحولًا جذريًا في فلسفة تقديم الخدمة الطبية، أعلنت وزارة الصحة والسكان عن تفعيل خدمات العلاج على نفقة الدولة داخل وحدات الرعاية الأولية، لتصبح أقرب إلى المواطن من أي وقت مضى. هذه الخطوة ليست مجرد تطوير إداري، بل نقلة نوعية تستهدف تخفيف العبء عن المستشفيات وتقليل معاناة المرضى، في إطار رؤية شاملة تضع الإنسان في قلب المنظومة الصحية، وتترجم توجيهات القيادة السياسية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.
تأتي هذه المبادرة كجزء من استراتيجية متكاملة لتطوير منظومة الرعاية الصحية، حيث بدأت وزارة الصحة والسكان في تفعيل خدمات العلاج على نفقة الدولة داخل منشآت الرعاية الأولية، لتعمل جنبًا إلى جنب مع المستشفيات في تقديم هذه الخدمة الحيوية. ويهدف هذا التوجه إلى تخفيف الضغط المتزايد على المستشفيات، وتقديم الخدمة بشكل أسرع وأكثر كفاءة داخل نطاق سكن المواطن، بما يضمن وصول الدعم الطبي إلى مستحقيه بسهولة ويسر، ويقلل من مشقة التنقل والانتظار الطويل.
وتنفيذًا لتوجيهات الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، ركزت الوزارة على تطوير آليات تقديم الخدمة الصحية لتكون أكثر قربًا ومرونة، بما يحقق مفهوم العدالة الصحية الشاملة. ويُعد إدماج وحدات الرعاية الأولية في منظومة العلاج على نفقة الدولة خطوة ذكية تعكس توجهًا حديثًا نحو اللامركزية، حيث لم يعد المواطن مضطرًا للذهاب إلى المستشفيات الكبرى للحصول على حقه في العلاج، بل أصبح بإمكانه تلقي الخدمة من أقرب وحدة صحية.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور عمرو قنديل، نائب وزير الصحة والسكان، أن المرحلة الأولى من تنفيذ المبادرة حققت نجاحًا ملحوظًا، حيث تم تفعيل الخدمة داخل 100 منشأة رعاية أولية موزعة على 18 محافظة حتى الآن. وقد نجحت هذه الوحدات في إصدار وتفعيل آلاف القرارات العلاجية، بنسبة إنجاز وصلت إلى 92%، وهو ما يعكس كفاءة التشغيل وسرعة الاستجابة لاحتياجات المرضى، ويؤكد أن المنظومة الجديدة تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهدافها.
وأشار قنديل إلى أن الوزارة لم تكتفِ بإطلاق الخدمة، بل تتابع تنفيذها ميدانيًا من خلال جولات تفقدية مستمرة، تهدف إلى الاستماع المباشر لآراء المواطنين وقياس مستوى رضاهم. كما تم إلزام جميع الوحدات الصحية بإعداد تقارير شهرية دورية لمتابعة الأداء، وتحديد نقاط القوة والتحديات، بما يضمن تحسين جودة الخدمة بشكل مستمر، ويعزز من ثقة المواطنين في كفاءة المنظومة الصحية.
وفي إطار خطة طموحة للتوسع، تستهدف وزارة الصحة مضاعفة عدد منافذ تقديم الخدمة خلال العام الجاري، حيث من المقرر تفعيل 100 عيادة إضافية بنهاية يونيو 2026، تليها 100 عيادة أخرى بنهاية ديسمبر 2026، ليصل إجمالي عدد الوحدات التي تقدم خدمات العلاج على نفقة الدولة إلى 300 وحدة صحية. ويُعد هذا التوسع خطوة استراتيجية نحو تغطية جغرافية أوسع، تضمن وصول الخدمة إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين في مختلف المحافظات.
وتعكس هذه الجهود رؤية واضحة نحو بناء نظام صحي متكامل يعتمد على تعزيز دور الرعاية الأولية كخط الدفاع الأول في تقديم الخدمات الصحية. كما تمهد هذه الخطوة الطريق نحو تطبيق شامل لمنظومة التأمين الصحي الشامل، التي تعتمد في جوهرها على وحدات الرعاية الأولية كنقطة انطلاق لتقديم الخدمة الطبية، بما يحقق استدامة النظام الصحي ويضمن تقديم رعاية صحية متكاملة لكل مواطن دون تمييز.
في النهاية، تؤكد هذه المبادرة أن الدولة المصرية تمضي بخطى واثقة نحو تحقيق العدالة الصحية، من خلال تقريب الخدمة من المواطن وتقديم العلاج بكرامة وسهولة. ومع استمرار التوسع في هذه المنظومة، تتجسد رؤية جديدة للرعاية الصحية عنوانها “المواطن أولًا”، حيث لا يُترك مريض خلف طوابير الانتظار، بل تصل إليه الخدمة حيثما كان، في تأكيد واضح على أن صحة الإنسان تظل دائمًا أولوية لا تقبل التأجيل.