عبدالرحيم عبدالباري
في زمن تتسارع فيه الأزمات وتتعاظم فيه الضغوط النفسية، لم يعد الدعم النفسي رفاهية بل ضرورة حتمية للحفاظ على تماسك المجتمع. وفي هذا الإطار، تواصل وزارة الصحة والسكان جهودها الحثيثة لتطوير منظومة الدعم النفسي، حيث أصبح الخط الساخن التابع لوحدة الطوارئ والدعم النفسي نموذجًا متقدمًا في تقديم الرعاية النفسية المتخصصة. ومع تزايد الإقبال عليه، تحوّل هذا الخط إلى ملاذ آمن للمواطنين، يعكس ثقة متنامية في قدرة الدولة على احتواء الأزمات النفسية بكفاءة واحترافية.
استعرضت وزارة الصحة والسكان مسيرة التطوير المستمر للخط الساخن، الذي يُدار من خلال وحدة الطوارئ والدعم النفسي التابعة للإدارة المركزية للصحة النفسية وعلاج الإدمان، حيث شهد هذا الخط نقلة نوعية في آليات العمل ومستوى الخدمات المقدمة. ويأتي هذا التطوير في إطار استراتيجية شاملة تهدف إلى تيسير وصول خدمات الصحة النفسية إلى جميع المواطنين دون استثناء، مع ضمان أعلى معايير الجودة والكفاءة، فضلًا عن الالتزام الكامل بسرية البيانات وسرعة الاستجابة، بما يعزز شعور المواطن بالأمان والدعم في أصعب لحظاته.
وتؤكد المؤشرات الرقمية حجم النجاح الذي حققته هذه الخدمة، حيث كشفت الإحصائيات عن استقبال ما يقرب من 50,787 مكالمة استشارية نفسية متخصصة، إلى جانب 83,273 مكالمة للاستعلامات العامة وخدمة المواطنين، فضلًا عن 5,383 مكالمة طوارئ. وتعكس هذه الأرقام ليس فقط حجم الإقبال، بل أيضًا ارتفاع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية الصحة النفسية، وقدرة المواطنين على كسر حاجز الخوف أو الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة النفسية، في تحول ثقافي إيجابي يعزز من قوة المجتمع.
ومن جانبه، أوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن هذه الأرقام تعكس حجم الثقة والتفاعل المجتمعي الكبير مع الخدمة، مؤكدًا أن التطوير لم يتوقف عند تقديم الاستشارات الهاتفية فقط، بل امتد ليشمل دعم عيادات “واحة” النفسية، إلى جانب الدور الحيوي الذي لعبه الخط الساخن في التعامل مع تداعيات الأزمات الطارئة محليًا وإقليميًا، ما جعله أحد الركائز الأساسية في منظومة الدعم النفسي الوطني.
وأشار عبدالغفار إلى أن إدخال الخط (105) في مارس 2026 يمثل خطوة استراتيجية مهمة نحو تعزيز سرعة الاستجابة وتوسيع نطاق الخدمة، بما يضمن الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين في مختلف أنحاء الجمهورية. ويأتي ذلك ضمن خطة متكاملة تهدف إلى رفع جاهزية المجتمع نفسيًا، خاصة في ظل التحديات المتزايدة، حيث تسعى الوزارة إلى بناء منظومة مرنة وقادرة على التدخل السريع والفعال في مختلف الأزمات.
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور أيمن عباس، رئيس الإدارة المركزية للأمانة العامة للصحة النفسية، أن سر نجاح هذه الخدمة يكمن في الكوادر البشرية المؤهلة التي تديرها، حيث تضم الغرفة المركزية نخبة من الأطباء النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين، إلى جانب فرق تمريض مدربة على أعلى مستوى. كما يتم دعمهم بفريق إداري وفني يخضع لبرامج تدريبية دورية وإشراف مستمر، بما يضمن الحفاظ على جودة الخدمة واستمراريتها، ويعكس التزام الدولة بالاستثمار في العنصر البشري كركيزة أساسية للتطوير.
ومن جانبها، أوضحت الدكتورة آيات ناجي، مدير وحدة الطوارئ والدعم النفسي، أن الخط الساخن منذ إطلاقه في عام 2015 شهد تطورًا كبيرًا، حيث بدأ كخدمة بسيطة لتلقي الشكاوى والاستفسارات، قبل أن يتحول إلى منصة متكاملة تقدم استشارات نفسية متخصصة على مدار الساعة. وأضافت أن الخط لعب دورًا محوريًا خلال جائحة كورونا، حيث قدم الدعم للمصابين والفرق الطبية والمواطنين، ولا يزال حتى اليوم يواصل أداءه كأحد أهم أدوات الدعم النفسي الآمن والموثوق.
وفي ظل هذا التطور اللافت، تدعو وزارة الصحة والسكان جميع المواطنين إلى الاستفادة من خدمات الخط الساخن للدعم النفسي، مؤكدة أن الصحة النفسية حق أصيل لكل إنسان، وأن الدعم متاح للجميع دون تمييز. ومع استمرار تطوير هذه الخدمة، تترسخ رسالة واضحة مفادها أن الدولة المصرية لا تكتفي بعلاج الجسد، بل تضع النفس في صدارة أولوياتها، لتبني مجتمعًا أكثر توازنًا وقدرة على مواجهة التحديات بثقة وأمل.