تعد كرة القدم، والرياضة بوجه عام، لغة عالمية تهدف إلى تقريب المسافات وتوطيد أواصر الصداقة والود بين الشعوب والمجتمعات. ومع ذلك، نجد أحيانًا أن هذه الأهداف السامية تذوب وسط صخب المدرجات وحماس الميكروفونات، لتتحول من أداة “بناء” إلى وسيلة “تراشق” تتجاوز القواعد الأخلاقية والمهنية.
** لغة المدرجات: حين يتجاوز الحماس حدود المنطق
من المفترض أن يكون التشجيع هو “ملح” اللعبة، والمحرك الأساسي لروح اللاعبين الرياضية ، لكن حين تتحول الهتافات إلى شعارات ذات صبغة قتالية أو عنيفة، فإننا نخرج عن إطار التنافس الشريف.
على سبيل المثال، هتاف مثل “بالروح بالدم.. الدوري مش هيروح”؛ هو تعبير يثير تساؤلاً منطقياً وأخلاقياً: أي “دم” هذا الذي يُراق من أجل قطعة معدنية أو درع رياضي؟ إن إقحام مصطلحات التضحية الجسدية والدموية في سياق ترفيهي رياضي يرفع من حدة التوتر ويشحن الجماهير بطاقة سلبية قد تنفجر في شكل أعمال شغب أو كراهية متبادلة، مما ينسينا أن الخسارة في الرياضة ليست نهاية العالم، بل هي جزء من جمالية اللعبة.
المعلق الرياضي: ميكروفون التأجيج أم منبر الحياد؟
يتحمل المعلق الرياضي مسؤولية كبرى، فهو “عين” المشاهد و”لسانه”. لكننا أصبحنا نسمع تعليقات تفتقر إلى الكياسة والمهنية، مثل قول البعض: “فريق (X) احتلت جماهيره المدرجات”.
كلمة “احتلال” تحمل دلالات عدوانية وتاريخية ثقيلة لا تليق بأجواء الملاعب. فالمدرجات مكان للاحتفاء والمشاهدة، وليست أرضاً يتم الاستيلاء عليها. مثل هذه التعبيرات، وإن بدت “مجازية” للبعض، إلا أنها تساهم في ترسيخ عقلية “الغزو” والصراع بدلاً من عقلية “الاستمتاع” والمنافسة.
أين تكمن المشكلة؟
1. المبالغة في التعصب: اعتبار الانتماء للنادي “هوية” مطلقة تُلغي احترام الآخر.
2. البحث عن “التريند”: ميل بعض المعلقين لاستخدام عبارات رنانة ومثيرة لجذب الانتباه، حتى لو كانت تفتقر للرقي الرياضي.
3. غياب الوعي التربوي: ضعف التركيز على القيمة الأخلاقية للرياضة في وسائل الإعلام ومؤسسات التنشئة.
** كيف نصل إلى “التشجيع المثالي” والتعليق المحايد؟
لتحقيق بيئة رياضية حضارية، نحتاج إلى تضافر عدة جهود:
• ميثاق شرف إعلامي: يجب على القنوات الرياضية وضع ضوابط صارمة للمصطلحات التي يستخدمها المعلقون، والابتعاد عن المفردات المستوحاة من الحروب والنزاعات، واستبدالها بمفردات الفن والمهارة والروح الرياضية.
• ثقافة “المدرج الواعي”: أن تتبنى روابط المشجعين (الألتراس وغيرها) شعارات تدعم الفريق دون الحط من شأن المنافس أو استخدام لغة العنف. فالتشجيع المثالي هو الذي يصفق للعبة الحلوة حتى لو كانت من الخصم.
• دور القدوة: تبدأ التهدئة من أرض الملعب؛ فحين يتصافح اللاعبون والمدربون بحرارة بعد صافرة النهاية، تصل الرسالة تلقائياً إلى الجمهور بأن ما حدث كان “مباراة” وليس “معركة”.
** الرياضة وُجدت لتكون “جسرًا” لا “جدارًا”. إن العودة إلى الهتاف الراقي والتعليق المتزن ليس رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على نسيج المجتمع وسلامة الجماهير. فلنجعل من كرة القدم متعة للعين، وغذاءً للروح، ووسيلة لتعزيز السلام الإنساني، بعيداً عن “الدماء” و”الاحتلال” الوهمي للمدرجات * .
إن الرقي في الكلمة هو أول خطوة نحو الرقي في الفعل، فالملاعب هي مرآة لثقافة الشعوب.