ُخيَّل إلينا أن التاريخ لا يكتفي بأن يُروى، بل يُصرّ أن يُعاد تمثيله أمام أعيننا، فها هم الإسرائيليون يجدون أنفسهم من جديد في مواجهة مشهد يحمل ملامح “بدر” مرة أخرى، أو لعل الأدق أن نقول، أمام عقدة بدر التي لم تغب .
بدر .. تلك المناورة التي حين وُلدت نسختها الأولى عام 1996، لم تكن مجرد تدريب عسكري عابر، بل كانت رسالة مكتوبة بالفعل، تجسدت في عبور الفرق المصرية إلى سيناء الحبيبة، في مشهد أعاد إلى الذاكرة الإسرائيلية صدى الانتصار الخالد في السادس من أكتوبر المجيد، وكأن التاريخ يهمس، ما زال في الجعبة ما يُقال .
أما بدر الجديدة، فقد جاءت منذ لحظتها الأولى محمّلة بهيبةٍ تُشعر بها القلوب قبل العيون، فاستدعت في النفوس يقظةً قديمة لا تنطفئ، وذكّرت القاصي والداني بأن خير أجناد الأرض لا ينامون على مجدٍ مضى، بل يصنعون حاضرًا لا يقل صلابة، ولم تعد المسألة مجرد عبورٍ لقناة السويس، فالوجود المصري في سيناء منذ عام 2013 كان ولا يزال عنوانًا لحربٍ لا تعرف التراجع، حربٍ اقتلعت جذور الإرهاب من رمال العريش المقدسة، وامتدت لحماية مسيرة التنمية وصون مشروعات التعمير التي تتسارع خطاها في عهد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بشكل غير مسبوق.
وتأتي بدر الجديدة لتُقام من المسافة صفر، على مقربة من سياج الحدود الدولية، حيث لا مجال للرسائل الرمزية فقط، بل حضور مباشر يُقرأ بوضوح، هناك يعلو هدير الطائرات المصرية الحديثة، الرافال، والميج 29 المطورة، والـ F16، في نغمةٍ تصمّ آذان الطرف الآخر وتُعيد ترتيب حساباته، وقد كان واضحًا أن عملية إعادة التسليح والتدريب التي أُشرف عليها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى مباشرة منذ تولي المسؤولية لم تكن مجرد تطوير تقني، بل إعادة صياغة شاملة لقوةٍ عسكرية حديثة قادرة ومدرّبة على أعلى مستوى، تحمل روحًا معنوية تلامس السماء، روحٌ جعلت الخصم يتناسى ما كان يؤرقة من صواريخ خرمشهر وقادر وعماد الإيرانية، وما يُثار عن اليورانيوم الإيراني، بل وحتى ما تروّجه تقاريره مؤخرا عن الصواريخ التركية بعيدة المدى وقدرات المجمع الصناعي العسكري التركى المتنامي.
الخلاصة
رغم ما يجمع الطرفين من الإحترام ٍ والالتزام الراسخ باتفاقية السلام، سيظل الجيش المصري بتاريخِه العريق حاضرًا كقوةٍ لا تُزاح، الأقوى والأقدر والأحدث في محيطه، بلا منازع أو منافس، ولن يكون في وسع أي طرف قريبًا كان أو بعيدًا أن يفرض واقعًا أو يُحدث تبدلات جيوسياسية بالقوة العسكرية، ما دام هذا الوطن يتنفس بجيشه وشعبه.