يبرز منجز الشاب المصري مصطفى مبارك في جامعة “كنتاكي” كحالة واقعية تؤكد أن الموهبة الإنسانية تظل طاقة ساكنة ما لم تجد بيئة محفزة ومنظمة تسمح لها بالتحول إلى عمل منتج. إن النجاح الذي حققه مصطفى بالحصول على ثلاث درجات علمية متزامنة يفرض علينا تجاوز منطق الصدفة، لنعاين الحقيقة من منظور بناء النظم وتنمية القدرات البشرية؛ حيث يتضح أن الفرد المصري يمتلك مخزوناً عالياً من المرونة الذهنية التي تمنحه قدرة فائقة على الاستيعاب المتعدد، بيد أن هذه القدرة تظل رهينة “فضاء الآخر” الذي يوفر المنهج العلمي والتحرر الإداري، وهو ما يحتم علينا صياغة بروتوكول وطني لرعاية الموهبة كضرورة أساسية لا تقبل التأجيل.
تستند “طريقة عمل مصطفى مبارك في مصر” منهجياً إلى إعادة صياغة البيئة المحيطة بالإنسان منذ سنواته الأولى، بدءاً من مرحلة الطفولة المبكرة التي تمثل الحجر الأساس في بناء الشخصية المبتكرة. إن البعد الأول في هذه المرحلة يتمثل في “التربية على التساؤل” عوضاً عن التلقين، حيث يتم توجيه الطفل لاستكشاف الظواهر المحيطة به وتحليلها منطقياً، بما ينمي لديه ملكة النقد المعرفي. ويأتي البعد الثاني متمثلاً في “غرس الاستقلالية والمسؤولية”، عبر منح الطفل مساحات لاتخاذ قراراته التعليمية والعملية البسيطة، مما يبني ثقته في قدرته على حل المشكلات بمعزل عن الاعتماد الكلي على التوجيهات الخارجية. أما البعد الثالث فيركز على “الصلابة النفسية” وتقبل الإخفاق كجزء أصيل من التجربة العلمية، ليتشكل عقل الطفل على الصمود أمام التحديات وتحويل العثرات إلى فرص للتطوير والتعلم.
وتنتقل المنظومة التربوية بعد ذلك نحو نموذج التعلم المتكامل بين العلوم، عبر تفكيك العزلة بين المواد الدراسية في المراحل اللاحقة، ليتشكل عقل النشء على إدراك الروابط بين الحساب والمنطق، أو الهندسة وفهم المجتمع، بما ينمي القدرة على التفكير الشامل. هذا النمط من التنشئة يضمن ظهور أجيال تمتلك شغف المعرفة المتعددة عوضاً عن الانحصار في تخصصات ضيقة تقتل الإبداع، مما يوفر القاعدة الأساسية لظهور عقول قادرة على محاكاة هذه التجربة داخل سياقنا المحلي.
وفيما يخص البنية الجامعية، يتطلب الأمر تحويل الجامعات المصرية من أماكن لمنح الشهادات إلى بيئات ترعى الكفاءة، عبر إتاحة مرونة كاملة في المسارات الدراسية تمنح الطالب الحق في تصميم منهجه الخاص وفق قدراته. إن تطبيق نظام الساعات الدراسية بمعناه الحقيقي يقتضي إزالة العوائق الإدارية بين الكليات، بما يسمح بدراسة تخصصات متباينة في وقت واحد، مع دعم ذلك بآليات تتيح للمتميزين إنهاء دراستهم في وقت أقل بموجب تفوقهم الفعلي بمعزل عن سنوات الأقدمية التقليدية. هذا التحول يضمن أن يجد المبدع في الداخل أفقاً يمنحه حق النمو المعرفي، حيث يتم تقييم الفرد بناءً على إنتاجه المبتكر، عوضاً عن استنزاف طاقته في تعقيدات ورقية عقيمة تفتقر لأي منطق تطويري.
تكتمل هذه الخارطة بضرورة تأسيس وحدات لدعم العقول المتميزة داخل مؤسسات الدولة، تعمل بشكل مستقل عن الروتين الوظيفي وتخضع لمعايير الجودة العالمية. إن إرساء ثقافة الكفاءة يتطلب منح هؤلاء الشباب مساحات من الحرية في البحث وتوفير الإمكانيات التي تحمي طموحهم من الإحباط، تزامناً مع بناء جسور تواصل دائمة مع العقول الناجحة بالخارج ليكونوا مشرفين ومرشدين لهذه المواهب الوطنية. إن بناء هذا الأفق المؤسسي يمثل التزاماً يبدأ بتقدير قيمة العقل المبتكر وينتهي بتوفير البيئة التي تسمح له بالانطلاق فوق أرضه، وعندما تنجح مصر في تنفيذ هذا المنهج، لن يكون مصطفى مبارك حالة فريدة نادرة، إنما ستصبح مؤسساتنا هي المصنع الدائم للكفاءات التي تقود قاطرة التقدم، مستندة إلى تاريخ عريق وآليات عمل واضحة تتجاوز كل مستحيل.