لم تعد أزمة الكهرباء فى مصر مرتبطة فقط بإنقطاع التيار الكهربائى كما كان يحدث فى سنوات سابقة بل تحولت اليوم الى معركة يومية يخوضها المواطن مع أسعار الشحن وفواتير الاستهلاك التى تلتهم جزءا متزايدا من دخله المحدود . وفى قلب هذه الازمة تقف العدادات الكودية مسبقة الدفع التى أصبحت بالنسبة لكثير من الأسر عنوانا لمعاناة جديدة لا تنتهى .
خلال الفترة الاخيرة تصاعدت شكاوى المواطنين بصورة غير مسبوقة بعد الحديث عن إلغاء نظام الشرائح وتوحيد سعر الكيلووات/ ساعة فى بعض العدادات الكودية ليصل سعر الاستهلاك الى نحو 2,74 جنيه للكيلووات وهو ما أعتبره المواطنون صدمة جديدة تأتى فوق أعباء اقتصادية خانقة يعيشها الشارع المصرى منذ سنوات .
المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط فى ارتفاع الاسعار بل فى الاحساس المتزايد لدى المواطن بأن الخدمات الآساسية التى لا غنى عنها أصبحت تدار بمنطق الجباية أكثر من منطق الرعاية الاجتماعية فالكهرباء ليست سلعة رفاهية بمكن الاستغناء عنها بل عصب الحياة الحديثة تبدأ من إنارة المنازل وتشغيل الاجهزة الضرورية ولا تنتهى عند احتياجات الطلاب والمرضى وكبار السن فى ظل حرارة الصيف القاسية .
الأسر البسيطة اليوم تعيش حالة من القلق الدائم مع كل عملية شحن للعداد , المواطن الذى كان يشحن بمبلغ محدود يكفيه لآيام طويلة أصبح يفاجأ بنفاد الرصيد سريعا ليجد نفسه مضطرا لتقليل استخدام الاجهزة الكهربائية أو الدخول فى دوامة الاستدانة لتوفير احتياجات أسرته الاساسية.
وفى الوقت الذى تتحدث فيه الحكومة عن برامج الحماية الاجتماعية يرى كثير من المواطنين أن الغاء الشرائح يمثل ضربة مباشرة لفكرة العدالة الاجتماعية نفسها لأن نظام الشرائح كان يمنح محدودى الاستهلاك سعرا أقل يراعى ظروفهم المعيشية بينما يؤدى توحيد السعر الى مساواة غير عادلة بين الفقير والغنى .
الغضب الشعبى دفع عددا من اعضاء مجلس النواب للمطالبة بوقف القرار وإعادة النظر فيه مؤكدين أن المواطن لم يعد يحتمل المزيد من الأعباء خاصة مع ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والمواصلات والايجارات فى وقت واحد .
لكن الأزمة الأعمق تتجاوز قضية العدادات نفسها فهى تعكس اتساع الفجوة بين الدخول الحقيقية للمواطنين وبين تكاليف الحياة التى ترتفع بوتيرة أسرع من قدرة الناس على الإحتمال .وهنا اصبح السؤال أكثر خطورة كيف يمكن لأسرة محدودة الدخل أن تواجه كل هذه الزيادات بينما دخلها ثابت أو يتأكل يوما بعد يوم ؟
إن أى اصلاح اقتصادى حقيقى لا يجب أن يقاس فقط بالأرقام والمؤشرات بل بقدرة المواطن البسيط على العيش بكرامة دون خوف دائم من فاتورة كهرباء أو شحنة عداد قد تحرمه من أساسيات الحياة , فالدولة القوية ليست فقط التى تبنى المشروعات الكبرى بل ايضا التى تحمى مواطنيها من السقوط تحت ضغط الاحتياجات اليومية .
ويبقى الأمل أن تعيد الحكومة النظر فى هذه السياسات وأن تنتصر العدالة الاجتماعية لملايين الأسر التى أصبحت تبحث عن الحد الادنى من الآمان المعيشى فى زمن ترتفع فيه الاسعار أسرع من الأحلام .