منذ اللحظات الأولى التي خطوت فيها داخل أروقة العمل الإعلامي الرسمي للدولة المصرية، كان يسكنني دائماً ذلك السحر الخاص بشعار “هنا القاهرة”. لطالما كانت تلك الكلمة، عبر عقود من مسيرتي الشخصية والمهنية، بمثابة البوصلة التي تشكل وعينا، والمنارة التي تعلمنا منها أن الكلمة ليست مجرد حرف ينطق، بل هي أمانة وطن، ومسؤولية أمن قومي تقع على عاتق كل من يقف خلف ميكروفون أو يمسك بقلم. ومن واقع هذه التجربة الميدانية الممتدة، التي عشت فيها تفاصيل التحولات الإعلامية الكبرى، أكتب اليوم بمناسبة عيدنا السنوي.
في الحادي والثلاثين من مايو، تحتفل مصر بعيد الإعلاميين، تلك الذكرى الوطنية العريقة التي تؤرخ لانطلاق صوت هنا القاهرة عبر أثير الإذاعة المصرية عام 1934، لتبدأ من حينها مسيرة ممتدة من التنوير وصياغة الوجدان العربي.
وتعود جذور هذا الاحتفال كعيد رسمي إلى عام 1984، عندما احتفلت مصر به لأول مرة في يوبيله الذهبي بمناسبة مرور خمسين عاماً على شبكة الإذاعة، وكانت الفكرة وراء تخصيص هذا اليوم عيداً سنوياً للإعلاميين نابعة من المبادرة الاستراتيجية لـ وزير الإعلام في ذلك الوقت، بهدف تكريم جيل الرواد، وتأكيد الرسالة السامية لفرسان الكلمة في بناء المجتمع وصيانة الهوية.
كم كان يتملكنا الأمل، وتتوق تطلعاتنا، أن يتحول عيد الإعلاميين هذا العام إلى “منصة حوارية موسعة”، فرصة حقيقية نلتقي فيها لا لمجرد استعراض الانجازات وبث ملاحم النجاح، بل لتشريح الواقع ومناقشة التحديات الجسيمة التي تواجه المنظومة الإعلامية المصرية، ووضعها على طاولة النقاش والمكاشفة بكل شجاعة ومسؤولية، حيث إننا نعيش في ظل ظروف دولية وإقليمية بالغة التعقيد، محاطين بأزمات متلاحقة وصراعات جيوسياسية غير مسبوقة تفرض على العقل الإعلامي أن يكون بمستوى اللحظة التاريخية.
في هذه الأجواء، لم يعد الإعلام ترفاً أو أداة لنقل الأخبار، بل تحول إلى سلاح استراتيجي في معارك أشد ضراوة، معارك “الوعي” وحروب المعلومات الممنهجة التي تستهدف استقرار الدول وتماسك جبهاتها الداخلية، وعلى رأس هذه التحديات، تأتي الأهمية البالغة لان تعود الثقة الكاملة بين المواطن والإعلام المصري، فكل خطط التطوير والحديث عن معارك الوعي لن تؤتي ثمارها ما لم ترتكز على جسور متينة من المصداقية والشفافية مع الشارع، حتى يرى المواطن في شاشاته وصحفه الوطنية مرآة صادقة لطموحاته وقضاياه، ليكون الإعلام الوطني هو المصدر الأول والموثوق للمعلومة وحائط الصد الحقيقي ضد التضليل.
إن التحديات التي تواجه الإعلام المصري اليوم تتطلب مناقشة جادة حول كيفية الانتقال الكامل من مربع “النمطية والدفاع” إلى استراتيجيات “المبادرة والاستباق”، وكيفية تسليح إعلامنا بأحدث أدوات الرادار الرقمي لرصد الشائعات وتفنيدها بالحقائق. كما أن هذا المنبر كان يجب أن يكون فرصة لطرح الرؤى حول سبل مخاطبة الرأي العام الدولي والدوائر الاستراتيجية بلغات وثقافات متعددة تكسر الصورة النمطية.
كل عام وكل إعلامي وطني مخلص بخير، على أمل أن يكون عيدنا القادم عنواناً لملتقى فكري يجمع بين فخر الإنجاز، وجرأة التقييم، وعزيمة التطوير المستدام لمجابهة عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والمؤثرين.