ابراهيم مجدى صالح
أعلنت مؤسسة ملاذ لدعم المرأة إطلاق ورقة سياسات جديدة بعنوان “العدالة الرقمية الإنسانية: نحو تطوير منظومة محاكم الأسرة في مصر”، والتي تطرح رؤية إصلاحية شاملة لتطوير منظومة التقاضي الأسري من خلال توظيف التحول الرقمي بما يعزز كفاءة الإجراءات القضائية ويحافظ في الوقت نفسه على البعد الإنساني والحقوقي للنزاعات الأسرية.
وأكدت المؤسسة أن قضايا الأسرة لا تقتصر على كونها نزاعات قانونية بين أطراف متخاصمة، وإنما تمثل مسارات معقدة تتداخل فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وتنعكس آثارها بصورة مباشرة على النساء والأطفال باعتبارهم الأكثر تأثرًا بطول أمد النزاعات وتعقيد إجراءات التقاضي.
وأوضحت الورقة أن استمرار الاعتماد على الإجراءات التقليدية والورقية داخل محاكم الأسرة يؤدي إلى إطالة أمد القضايا وزيادة الأعباء الواقعة على المتقاضين، خاصة في ملفات النفقة والحضانة والرؤية والولاية التعليمية وتنفيذ الأحكام، وهو ما يستدعي تطوير نموذج أكثر كفاءة وعدالة واستجابة لاحتياجات الأسر المصرية.
وترى مؤسسة ملاذ لدعم المرأة أن التحول الرقمي داخل محاكم الأسرة يجب ألا يقتصر على ميكنة الخدمات أو تحديث الإجراءات الإدارية، بل ينبغي أن يمثل فرصة لإعادة بناء تجربة التقاضي الأسري بصورة أكثر إنصافًا وإنسانية، بحيث تصبح التكنولوجيا وسيلة لحماية الحقوق وتقليل الأضرار النفسية والاجتماعية الناتجة عن النزاعات الأسرية، لا مجرد أداة لتسريع تداول الملفات والإجراءات.
وتتضمن الورقة مجموعة من البدائل والسياسات المقترحة لتطوير العدالة الرقمية داخل محاكم الأسرة، تبدأ من الرقمنة الإجرائية المحدودة، مرورًا بتطوير الإدارة الرقمية للقضايا، وصولًا إلى نموذج “العدالة الرقمية الإنسانية” الذي يدمج بين الكفاءة المؤسسية والحماية الحقوقية، بالإضافة إلى طرح مفهوم “العدالة الأسرية الاستباقية” الذي يهدف إلى الحد من تصاعد النزاعات قبل تحولها إلى مسارات قضائية طويلة.
كما تدعو المؤسسة إلى إنشاء منصة رقمية موحدة لمحاكم الأسرة تربط الجهات القضائية والتنفيذية والاجتماعية ذات الصلة، بما يسهم في تسريع الإجراءات، وتحسين تنفيذ الأحكام، وتوفير خدمات دعم قانوني ونفسي وإرشادي للأسر، مع ضمان أعلى مستويات حماية البيانات والخصوصية وتقليل الفجوات الرقمية التي قد تحول دون وصول بعض الفئات إلى العدالة.
وفي هذا السياق، قالت رضوى الخولي، المدير التنفيذي لمؤسسة ملاذ لدعم المرأة:
“إن العدالة الأسرية ليست مجرد أحكام تصدرها المحاكم، وإنما هي منظومة متكاملة لحماية الإنسان والأسرة والطفل. ومن ثم فإن التحول الرقمي الحقيقي يجب أن ينطلق من احتياجات المواطنين وحقوقهم، لا من الاعتبارات التقنية وحدها. نحن بحاجة إلى نموذج للعدالة الرقمية يضع مصلحة الطفل الفضلى، وكرامة المرأة، واستقرار الأسرة في قلب عملية الإصلاح، ويجعل التكنولوجيا أداة لتقليل المعاناة الإنسانية المرتبطة بالنزاعات الأسرية، وليس مجرد وسيلة لتسريع الإجراءات.”
وأضافت الخولي أن تطوير محاكم الأسرة يمثل استثمارًا مباشرًا في الاستقرار المجتمعي، مشيرة إلى أن بناء منظومة عدالة أكثر كفاءة وإنصافًا وإنسانية من شأنه أن ينعكس إيجابًا على حماية الأطفال، وتعزيز التماسك الأسري، وتحسين ثقة المواطنين في مؤسسات العدالة.
وأكدت مؤسسة ملاذ لدعم المرأة أن الورقة تتضمن مجموعة من التوصيات التنفيذية الموجهة إلى وزارة العدل، ومجلس القضاء الأعلى، ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ووزارة التضامن الاجتماعي، والنيابة العامة، والمجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي للطفولة والأمومة، بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني، بهدف بناء منظومة عدالة أسرية رقمية حديثة تراعي متطلبات الكفاءة والشفافية والإنصاف.
واختتمت المؤسسة بيانها بالتأكيد على أن مستقبل العدالة الأسرية في مصر لا يرتبط فقط بمدى تطور التكنولوجيا المستخدمة، وإنما بقدرة الدولة على توظيف هذه التكنولوجيا لخدمة الإنسان وحماية حقوقه، وبناء بيئة قضائية أكثر أمانًا ومرونة واستجابة لاحتياجات الأسر المصرية، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويخدم أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.