عبدالرحيم عبدالباري
في خطوة جديدة تعكس حرص الدولة المصرية على تطوير الخدمات الصحية وتحسين جودة الحياة للمواطنين، شهد الدكتور خالد عبدالغفار وزير الصحة والسكان إطلاق البرنامج الوطني للقبالة تحت مظلة المبادرة الرئاسية «الألف يوم الذهبية لتنمية الأسرة»، وذلك بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية وصندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، حيث يمثل البرنامج أحد المشروعات الصحية الطموحة التي تستهدف تعزيز خدمات صحة الأم والطفل والارتقاء بمستوى الرعاية المقدمة للأسرة المصرية وفق أحدث المعايير العلمية والممارسات الدولية المعتمدة، بما يدعم جهود الدولة في بناء مجتمع أكثر صحة وقدرة على تحقيق التنمية المستدامة.

شهدت فعاليات إطلاق البرنامج حضورًا واسعًا من قيادات وزارة الصحة والسكان وممثلي المنظمات الدولية والخبراء والمتخصصين في مجالات صحة الأم والطفل، في مشهد يعكس أهمية هذا البرنامج ودوره في دعم المنظومة الصحية المصرية، حيث يأتي إطلاقه في إطار توجه الدولة نحو تعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية وتوسيع نطاق الخدمات الوقائية والعلاجية، مع التركيز على الفئات الأولى بالرعاية، وفي مقدمتها الأمهات والأطفال، باعتبار أن الاستثمار في صحة الأسرة يمثل حجر الأساس لبناء أجيال سليمة وقادرة على المساهمة في مسيرة التنمية الوطنية خلال السنوات المقبلة.
وأكد الدكتور خالد عبدالغفار خلال كلمته أن الدولة المصرية تضع صحة الأم والطفل في مقدمة أولوياتها، من خلال منظومة متكاملة تبدأ قبل الحمل وتمتد خلال فترات الحمل والولادة وما بعدها وصولًا إلى السنوات الأولى من عمر الطفل، موضحًا أن هذه المنظومة تعتمد على تطوير خدمات الرعاية الصحية الأولية، وتعزيز نظم الإحالة الطبية، والتوسع في تطبيقات التحول الرقمي، بما يضمن تقديم خدمات صحية متكاملة وآمنة وعالية الجودة، تسهم في تحسين المؤشرات الصحية ورفع مستوى الرعاية المقدمة للمواطنين في مختلف محافظات الجمهورية.
وأشار الوزير إلى النجاحات التي حققتها مصر خلال السنوات الماضية في مجال خفض معدلات وفيات الأمهات، حيث انخفض المعدل ليصل إلى 41 حالة لكل 100 ألف مولود حي، وهو ما يعكس حجم الجهود المبذولة لتطوير الخدمات الصحية وتحسين كفاءة الكوادر الطبية، مؤكدًا أن الدولة تستهدف الوصول بهذا المعدل إلى 35 حالة بحلول عام 2030، في إطار التزامها بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، لافتًا إلى أن البرنامج الوطني للقبالة يمثل إحدى الركائز المهمة لتحقيق هذا الهدف من خلال تعزيز خدمات الرعاية والمتابعة الصحية للأمهات وفق أحدث النظم العلمية المعمول بها عالميًا.
وأوضح وزير الصحة أن القابلات يمثلن عنصرًا أساسيًا ومكملًا داخل منظومة الرعاية الصحية، وليس بديلًا عن أطباء النساء والتوليد، حيث يمتد دورهن ليشمل تقديم المشورة الصحية قبل الحمل، ومتابعة السيدات خلال فترات الحمل المختلفة، والمشاركة في دعم الولادة الطبيعية الآمنة، فضلًا عن متابعة الأمهات والأطفال بعد الولادة من خلال الزيارات المنزلية والإرشادات الصحية المستمرة، وهو ما يسهم في تحسين جودة الرعاية المقدمة وتقليل التدخلات الطبية غير الضرورية، خاصة في المناطق الريفية والأكثر احتياجًا للخدمات الصحية المتخصصة.
ومن جانبها، استعرضت الدكتورة عبلة الألفي نائب وزير الصحة والسكان جهود الوزارة في دعم صحة الأم والطفل، مؤكدة أن الوزارة تنفذ 15 مبادرة صحية تحت مظلة «100 مليون صحة»، من بينها 9 مبادرات ترتبط بصورة مباشرة بصحة الأم والطفل، مشيرة إلى أن تطبيق إجراءات الرعاية السليمة خلال اللحظات الأولى بعد الولادة، مثل الإنعاش الوليدي الصحيح والتلامس المباشر بين الأم والمولود والبدء المبكر في الرضاعة الطبيعية، يمكن أن يسهم في خفض معدلات وفيات حديثي الولادة بنسبة تصل إلى 22%، فضلًا عن تحسين فرص النمو الصحي السليم للأطفال.
كما تناولت الفعاليات جهود وزارة الصحة في تطوير خدمات الولادة الطبيعية الآمنة والتوسع في برامج التدريب والتأهيل للكوادر الصحية، حيث تم إنشاء 27 مركزًا متخصصًا للتدريب على الإنعاش الوليدي، إلى جانب العمل على تحديث البرامج التعليمية ورفع كفاءة الفرق الطبية بمختلف المحافظات، كما تواصل الوزارة تنفيذ خطط التحول الرقمي في القطاع الصحي بهدف تحسين آليات المتابعة والتقييم وتوفير قواعد بيانات دقيقة تدعم متخذي القرار وتسهم في تطوير الخدمات الصحية بصورة مستمرة بما يتواكب مع احتياجات المواطنين وتطلعاتهم.
وشهدت الفعاليات استعراضًا لتاريخ مهنة القبالة في مصر، حيث أوضح الدكتور حسام عبدالغفار مساعد وزير الصحة والسكان أن إنشاء مدرسة الولادة عام 1832 يمثل شاهدًا على ريادة الدولة المصرية في هذا المجال منذ ما يقرب من قرنين، مؤكدًا أن البرنامج الوطني للقبالة يعيد إحياء هذه المهنة العريقة في إطار علمي ومهني حديث يعتمد على التكامل بين القابلة والطبيب وفق بروتوكولات واضحة تضمن سلامة الأم والطفل، مع سرعة التعامل مع الحالات التي تستدعي تدخلًا طبيًا متخصصًا، بما يحقق أعلى درجات الأمان والجودة في تقديم الخدمة الصحية.
وحظي البرنامج بإشادة واسعة من ممثلي المنظمات الدولية والخبراء المشاركين، الذين أكدوا أن مصر تقدم نموذجًا متطورًا في دعم صحة الأم والطفل وتعزيز الرعاية الصحية الشاملة، كما استعرض المشاركون عددًا من التجارب الدولية الناجحة في مجال القبالة وأهمية توفير الأطر التنظيمية والتعليمية والمهنية اللازمة لدمج المهنة داخل المنظومة الصحية، وفي ختام الفعاليات شهد الدكتور خالد عبدالغفار تكريم عدد من الرموز والخبراء والكوادر الطبية تقديرًا لعطائهم وإسهاماتهم المتميزة في تطوير خدمات رعاية الأم والطفل ودعم جهود الدولة نحو تحقيق مستقبل صحي أكثر استدامة.
ويمثل إطلاق البرنامج الوطني للقبالة محطة مهمة في مسيرة تطوير القطاع الصحي المصري، ويعكس رؤية الدولة الرامية إلى بناء منظومة صحية متكاملة ترتكز على الوقاية وجودة الرعاية والتدخل المبكر، كما يؤكد التزام مصر بتطبيق أفضل الممارسات العالمية في مجال صحة الأم والطفل وتعزيز التعاون مع المؤسسات الدولية والشركاء المعنيين، بما يضمن تحقيق المزيد من الإنجازات الصحية خلال السنوات المقبلة، ويدعم بناء أجيال أكثر صحة وقدرة على المشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية والبناء.