في تاريخ الأمم لحظات فارقة لا يصنعها السلاح وحده، ولا تبنيها الجيوش بمفردها، بل يصنعها رجال أدركوا أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به الدولة هو الاستثمار في البشر، فالحضارات لا تنهض بالحجارة، وإنما تنهض بالعقول، ولا تُبنى بالإسمنت والحديد فقط، وإنما تُبنى بالإرادة والأمل والمعرفة.
ومن يتأمل تاريخ مصر الحديث يكتشف خيطًا ممتدًا بين عصرين مختلفين، وبين قائدين تفصل بينهما قرون، لكن تجمعهما فلسفة واحدة، محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة، والرئيس عبد الفتاح السيسي مؤسس الجمهورية الجديدة.
لقد كانت مصر في مطلع القرن التاسع عشر تواجه تحديات جسيمة، وكانت شوارعها تعج بالفقر والتشرد والجهل، وكان أطفال الشوارع يمثلون جرحًا اجتماعيًا مفتوحًا يهدد مستقبل البلاد، كثيرون نظروا إليهم باعتبارهم عبئًا على المجتمع، لكن محمد علي نظر إليهم بعين مختلفة، عين رجل الدولة الذي يرى ما وراء الواقع، ويرى في الإنسان طاقة كامنة تنتظر من يكتشفها.
فلسفة محمد علي لم تكن قائمة على التخلص من المشكلة، بل على تحويلها إلى فرصة، لم يسأل كيف نتخلص من هؤلاء الأطفال، بل سأل كيف نحولهم إلى قوة منتجة، وكيف نصنع من الضياع مشروعًا للنهضة، ومن التهميش مصدرًا للبناء.
فجمعهم، وأخضعهم للتعليم والتدريب والتأهيل، وجلب لهم أفضل المعلمين والخبراء، وأنفق عليهم من مال الدولة، مؤمنًا بأن تكلفة بناء الإنسان أقل بكثير من تكلفة خسارته، وبعد سنوات قليلة خرج من بين هؤلاء المشردين معلمون ومهندسون وأطباء وصناع مهرة ومترجمون وخبراء، ساهموا جميعًا في بناء الدولة المصرية التي أصبحت في ذلك الوقت قوة إقليمية كبرى يُحسب لها ألف حساب.
واليوم، وبعد ما يقرب من قرنين من الزمان، نجد الفكرة نفسها تتجدد بروح العصر في الجمهورية الجديدة تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، فالتحديات التي تواجه الدولة في عصرنا أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن محمد علي، والعالم الذي نعيش فيه أكثر اضطرابًا وتشابكًا، والمخاطر التي تهدد الأجيال الجديدة لم تعد تقتصر على الفقر أو التشرد فقط، بل تمتد إلى الجريمة المنظمة، والتطرف، والإدمان، والتفكك الأسري، والانفلات القيمي، والتحديات الرقمية والثقافية التي تفرضها ثورة التكنولوجيا الحديثة.

وسط كل هذه العواصف، كان من السهل أن تنشغل الدولة بالمشروعات الكبرى فقط، لكن الرؤية الأعمق كانت تدرك أن بناء الحجر لا يكتمل إلا ببناء الإنسان، وأن الجمهورية الجديدة ليست مجرد عمران جديد، بل هي مشروع حضاري شامل يضع المواطن في قلب عملية التنمية.
ومن هنا جاءت المبادرات الرئاسية والبرامج القومية التي استهدفت الأطفال في وضعية الشارع، وعلى رأسها برنامج “أطفال بلا مأوى” ومبادرة “حياة”، لتؤكد أن الدولة المصرية لا تنظر إلى هؤلاء الأطفال باعتبارهم مشكلة يجب إخفاؤها، بل باعتبارهم أبناء للوطن يستحقون فرصة جديدة للحياة.
إن الفلسفة الحقيقية خلف هذه المبادرات تتجاوز الرعاية الاجتماعية التقليدية، فهي تقوم على استعادة الإنسان نفسه، وعلى إعادة بناء شخصيته وثقته بذاته، وعلى تحويله من متلقٍ للمساعدة إلى عنصر فاعل في المجتمع، قادر على الإنتاج والعطاء والمشاركة في بناء المستقبل.
وهنا تتجلى عظمة الفكرة المصرية عبر التاريخ، فالقادة العظام لا يقيسون نجاحهم بعدد المباني التي شُيدت، بل بعدد البشر الذين تغيرت حياتهم إلى الأفضل، فالطريق يمكن أن تبنيه في أشهر، والمدينة يمكن أن تشيدها في سنوات، أما الإنسان فيحتاج إلى رؤية وصبر وإيمان طويل المدى.
لقد أدرك محمد علي أن الطفل المشرد يمكن أن يصبح عالمًا، وأدرك الرئيس السيسي أن الطفل الذي يعيش على هامش الحياة يمكن أن يصبح يومًا طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا أو مبتكرًا يرفع اسم مصر بين الأمم، وبين الفكرتين يمتد جسر طويل من الإيمان بالإنسان المصري وقدرته على النهوض مهما كانت الظروف.
وإذا كان محمد علي قد نجح في بناء دولة قوية في زمن كانت فيه أدوات الدولة محدودة، فإن الرئيس السيسي يخوض معركة أكثر تعقيدًا في عالم شديد التنافسية، عالم أصبحت فيه المعرفة هي السلاح الأقوى، وأصبحت فيه الأمم تتسابق على امتلاك العقول قبل امتلاك الموارد.
ولهذا يرى كثيرون أن الجمهورية الجديدة ليست مجرد مرحلة سياسية جديدة، بل مشروع لإعادة صياغة الإنسان المصري نفسه، مشروع يهدف إلى تحرير الطاقات الكامنة داخل المجتمع، وإعادة دمج الفئات المهمشة، ومنح الفرصة لكل طفل كي يكون شريكًا في المستقبل بدلًا من أن يكون ضحية للظروف.
إن التاريخ يعلمنا أن الحضارات العظيمة تبدأ دائمًا بفكرة بسيطة، وهي أن كل إنسان يمتلك قيمة، وأن المجتمع الذي ينقذ أضعف أفراده هو المجتمع القادر على صناعة أقوى مستقبله، ومن هنا يلتقي محمد علي باشا والرئيس عبد الفتاح السيسي عند نقطة جوهرية واحدة، وهي الإيمان بأن النهضة الحقيقية تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه.
فقد يرى البعض في أطفال الشوارع أزمة اجتماعية، ويرى آخرون فيهم عبئًا اقتصاديًا، أما رجل الدولة الحقيقي فيرى فيهم مشروع نهضة مؤجل، ويرى في إنقاذهم استثمارًا في المستقبل، ويرى في احتضانهم حماية للوطن نفسه.
وهكذا تستمر مصر في رحلتها الطويلة، من مشروع محمد علي لبناء الدولة الحديثة، إلى مشروع الرئيس السيسي لبناء الجمهورية الجديدة، رحلة عنوانها الإنسان، وغايتها التنمية، ورسالتها أن الأمم العظيمة لا تترك أبناءها خلفها، بل تأخذ بأيديهم جميعًا نحو المستقبل