لو نظرنا إلى العالم اليوم لوجدنا أنه يمر بطفرة تكنولوجية ومعرفية غير مسبوقة.
ولكن الثورة الحقيقية ليست في مجرد تطور الأدوات والتقنيات بل في السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة في ظل هذا التطور المعرفي الهائل.
ففي وقت باتت تفصلنا فيه أعقد الأسئلة عن إجاباتها نقرة زر واحدة أو ثوان معدودة من محادثة مع الذكاء الاصطناعي ويثور في هذا الفيضان المعلوماتي سؤال مصيري يفرض نفسه على واقعنا التعليمي: إذا كانت المعلومات متاحة للجميع مجاناً وبأسهل الطرق فما هي القيمة الحقيقية والجوهرية التي يقدمها التعليم المعاصر ؟
الإجابة الصادمة هي أن التعليم في كثير من مجتمعاتنا ما زال يعاني من غياب فلسفته المفقودة وهي فلسفة التفكير النقدي وفلسفة بناء العقل البشري وتشكيل وعيه وتنمية مهارات التفكير لدى المتعلم بدلاً من استمرار التعامل مع عقل الطالب كوعاء لتخزين معلومات قد تكون منتهية الصلاحية قبل أن يغادر مقاعد الدراسة.
ومن الواقع الذي نعيشه نرى تكدس المواد الدراسية وتراكمها إذ يمكن للطالب أن يدرس مسألة ما وفي السنة التالية إذا سئل عنها تجده قد نسيها تماماً وكأنه لم يرها من قبل.
ولكن لو علمنا الطالب كيف يفكر في تركيب المسألة وكيف بنيت منطقياً هل كان لينساها؟
ومن هذا المنطلق أود أن أوجه دعوة صادقة إلى كافة هيئات التدريس والمؤسسات التعليمية بأن تقوم بتأسيس مادة التفكير النقدي كركيزة أساسية لبناء عقول واعية لا لحفظ معلومات جامدة.
إننا بحاجة إلى إحياء الحوار النقدي بين الطلاب وتفعيل فلسفة التفاعل الفكري.
وكما أوضح الفيلسوف الألماني هيجل في جدليته فإن الوعي يتطور حين تلتّقي الفكرة بـ الفكرة المقابلة (النقيض) لينتج عن هذا الصراع الفكري وعي جديد وأعلى مرتبة.
ولكن لكي لا يظل هذا التطور حبيس النظريات المجردة يكتمل هذا المسار برؤية الفيلسوف والمربي الأمريكي جون ديوي رائد التربية الحديثة الذي نقل الفلسفة الي واقع الصف الدراسي.
يرى ديوي أن التعليم ليس تحضيراً للحياة بل هو الحياة نفسها.
فإذا كان هيجل قد رسم مسار تطور الوعي عبر صراع الأفكار فإن ديوي أضاف الحوار المفقود والتجربة الحية بين المعلم والطلاب حيث ينادي بأن يكون المتعلم هو محور العملية التعليمية ويتحول دور المدرس من ملقن يحتكر المعرفة إلى ميسر للتعلم ومنظم وموجه للخبرات.
هنا يصبح الجميع شركاء في التفكير وتفكيك المسائل وفهم أبعادها المنطقية والواقعية.
ولأجل بناء هذه الفلسفة المفقودة في التعليم المعاصر فإن بناء عقل معاصر ومتزن يتطلب ثورة في المفاهيم التربوية ترتكز على ثلاثة محاور أساسية
أولاً: من السؤال إلى الاكتشاف التعلم بحل المشكلات
يجب أن يتحول الصف الدراسي إلى مختبر للأفكار ومجتمع مصغر للحياة.
فالعلم لم يتقدم يوماً بالإجابات الجاهزة بل بالأسئلة الجريئة.
وهنا نتبنى مبدأ ديوي في التعلم القائم على حل المشكلات والتفكير التأملي حيث يبدأ التعلم بالشعور بمشكلة حقيقية واكتشافها ثم اقتراح الفرضيات واختبارها للوصول إلى الحل مما يجعل المعرفة نتاجاً لجهد الطالب الذاتي لا مجرد بضاعة مستوردة.
ثانياً: المرونة الفكرية والتعلم بالعمل
العالم يتحرك بسرعة مذهلة والعقول الجامدة تكسرها التحولات.
لذلك نحتاج إلى تعليم يغرس في النفوس أن التعلم المستمر هو أسلوب حياة.
وكما أكدت النظرية البراغماتية لديوي فإن “التفكير هو أساس بناء المعرفة” والتعلم الحقيقي يحدث عبر الممارسة والتجربة والعمل.
إن مهارة إعادة التعلم والتخلي عن الأفكار القديمة الخاطئة بناءً على نتائج التجربة هي قمة الذكاء الإنساني.
ثالثاً: الذكاء العاطفي والوعي الاجتماعي التعلم التعاوني
لا يمكن بناء عقل مستنير بمعزل عن منظومة القيم والوعي الاجتماعي.
فالتعليم الحقيقي هو الذي يربط الفكر بالمسؤولية تجاه المجتمع.
ومن خلال تفعيل التعلم التعاوني الذي دعا إليه ديوي يتعلم الطلاب من خلال التفاعل والعمل مع الآخرين لبناء المعرفة مما يبني شخصية متزنة نفسياً قادرة على التواصل التعاطف والعيش المشترك في مجتمع ديمقراطي.
ومن هنا تتضح لنا معالم الفلسفة المفقودة إننا لا نحتاج إلى حشو العقول ببيانات ينافسنا فيها الذكاء الاصطناعي ويتفوق بل نحن بحاجة ماسة إلى تعليم يبني الإنسان المفكر الإنسان الذي إذا نسي تفاصيل المعلومة لا ينسى أبداً كيف يعيد بناءها واكتشافها من جديد.
يجب أن ندرك أن هندسة الوعي وبناء العقول هي الثروة الحقيقية وغير المرئية لأي أمة.
و لقد حان الوقت لتسترد مؤسساتنا التعليم والتربوية فلسفتها المفقودة لتخرج لنا عقولاً تضيء بوعيها وثقافتها عقولاً لا تكتفي بالعيش في المستقبل بل تمتلك الأدوات والجرأة والمرونة لـ صناعته.