«رحيل صانع الحلم القطري».. حين يتحول «الغاز» إلى «أيقونة سيادة» و«الجزيرة» إلى «صوت الحق»
اعلن نبيل أبوالياسين، بقلب مؤمن بقضاء الله وقدره، وبضمير وطني وعربي يدرك حجم الفاجعة معزيا دولة قطر شعب وحكومة في فقيدهم ، وأن رحيل صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير دولة قطر السابق، ليس مجرد وفاة قائد، بل هو «ختام فصل من العبقرية السياسية» التي أعادت تشكيل خريطة المنطقة والعالم. فذلك القائد الاستثنائي الذي حوّل قطر من دولة تعتمد على النفط إلى «إمبراطورية الغاز»، ومن لاعب إقليمي إلى «مركز وساطة دولي»، ومن صمت دبلوماسي إلى «صوت الجزيرة» الذي اهتزت له عروش التضليل، لم يكن مجرد حاكم، بل كان «مهندس النهضة» الذي بنى دولة بأحلامه، وحمى مشروعاً بأكمله بجسارة وحكمة. رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أميرنا تميم بن حمد، والأسرة الحاكمة، والشعب القطري، والأمة العربية، الصبر والسلوان.
ويؤكد أبوالياسين أن الأمير الوالد لم يكن مجرد قائد وطني، بل كان «ناصحاً أميناً ومستشاراً مخلصاً» لزعماء الدول العربية والإسلامية، يقف بجوار الشعوب، ويتمتع بإنسانية خلاقة لا تنسى. ومن أبرز مواقفه الإنسانية التي شهدناها عن كثب، تبرعه بعدة ملايين من الدولارات لإنقاذ مركز دراسات الوحدة العربية فور علمه بأزمته المالية، وحاجته لشراء مقر دائم، في مشهد يعكس «سخاء القائد» و«وعي العروبي» الذي لا يبالي بالمال عندما يتعلق الأمر بدعم الفكر والوحدة. فضلاً عن دعمه الدائم لفلسطين ولبنان وكافة الدول العربية دون ملل أو كلل، وكان أول زعيم عربي يزور الضاحية الجنوبية للبنان، في موقف يعكس «شجاعة الموقف» و«إنسانية القائد» التي لا تخشى الملامة في نصرة المظلومين.
«رؤية القائد».. من «المخاطرة بالغاز» إلى «صناعة المستقبل»
ويمضي أبوالياسين في تأبين الأمير الوالد، مستعرضاً «رؤية القائد» التي حولت قطر من دولة كانت تعتمد على النفط كمصدر رئيسي لإيراداتها، إلى «عاصمة الغاز العالمية». ففي منتصف التسعينيات، وبينما كانت تداعيات انهيار أسعار النفط ومحدودية الإنتاج مقارنة بدول خليجية أخرى تهدد مستقبل البلاد، كان حقل الشمال – المكتشف عام 1971 – يفرض نفسه كأحد أكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم باحتياطيات هائلة. لكن حجم الفرصة كان يوازي حجم المخاطرة؛ إذ رأى بعض المسؤولين أن الغاز يمكن أن يشكل أساساً للمرحلة القادمة، بينما فضل آخرون التعامل معه بحذر لما يتطلبه من استثمارات غير مسبوقة. لكن الأمير الوالد، بفضل «بصيرته الاستثنائية»، مضى قدماً في تنفيذ المشروع رغم التحفظات، لتبدأ قطر عام 1996 تصدير أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال، وتتحول خلال عقد واحد إلى أكبر مصدر للغاز المسال في العالم، بطاقة إنتاجية بلغت 77 مليون طن سنوياً بحلول عام 2010.
ويؤكد أبوالياسين أن هذه «الرؤية الجريئة» لم تقتصر على تحويل قطر إلى أغنى دولة في العالم من حيث الناتج المحلي للفرد، بل تجاوزتها إلى «هندسة المستقبل»؛ فالناتج الإجمالي المحلي تضاعف أكثر من 24 مرة، والناتج المحلي للفرد ارتفع بنحو 6 مرات، والقيمة المضافة الإجمالية في قطاع الهيدروكربون قفزت من 11 مليار ريال إلى 403 مليارات ريال، ليصبح كل فرد قطري يتمتع بقدرة شرائية تتجاوز 90 ألف دولار. إنها ليست مجرد أرقام، بل هي «شهادة ميلاد» لدولة لم تكن لتولد لولا عقلية رجل آمن بأن «المستقبل يُصنع بالمخاطرة، لا بالانتظار».
«إرث الجزيرة» و«كأس العالم».. حين يتحدى القائد الإعلام والسياسة
ويلفت أبوالياسين إلى أن الأمير الوالد لم يكتفِ بتطوير الاقتصاد، بل أسس «قناة الجزيرة» وحماها رغم كل التحديات التي تعرضت لها، لتتحول من مجرد قناة إخبارية إلى «صوت عربي حر» يفضح التضليل ويكشف الحقائق، ويؤكد أن الكلمة هي السلاح الأقوى في معركة الوعي. ويؤكد أن الأمير تميم بن حمد يواصل اليوم بقوة صون هذا الإرث الممتد لـ30 عاماً، تأكيداً على الموقف القطري الثابت بشأن حماية الرسالة الإعلامية وجوهرها، ونقل الحقيقة للرأي العام العربي والعالمي.
ويشير إلى أن عام 2010 كان محطة فارقة أخرى، حين أعلن فوز قطر بتنظيم بطولة كأس العالم 2022، لتكون أول دولة عربية وإسلامية تفوز باستضافة هذا الحدث الكوني. إن هذا الإنجاز لم يكن ليتحقق لولا «الاستثمارات الطموحة وغير التقليدية» التي انتهجتها البلاد تحت قيادة الأمير الوالد، والذي نجح في تحويل قطر من دولة صغيرة إلى «قوة ناعمة» تستضيف العالم وتُبهره.
ويختم أبوالياسين بأن الأمير الوالد، الذي حصل على عشرات الأوسمة من دول عربية وأجنبية، بما في ذلك وسام الملك عبد العزيز من السعودية عام 1976، ووشاح الفارس من وسام القديس ميشيل والقديس جورج من بريطانيا عام 1979، لم يكن بحاجة إلى أوسمة ليثبت عظمته، فقد كان هو بنفسه «وساماً للأمة العربية»، وقائداً استثنائياً ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ المنطقة والعالم. وكما حوّلنا «فشل الفخ» إلى «شهادة وفاة»، يحوّل «رحيل مهندس النهضة» اليوم «تاريخ قطر الحديث» من «مرحلة انتقالية» إلى «فصل خالد» في «كتاب السيادة القطرية» الذي سيظل يُقرأ ويُدرس لأجيال قادمة، رحم الله الأمير الوالد، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أميرنا تميم والأسرة الحاكمة والشعب القطري والأمة العربية الصبر والسلوان.
فاعتبروا يا أولي الألباب، فالأمير الوالد لم يرحل، بل انتقل إلى جنة الفردوس و «خزينة التاريخ» حيث يخلد من صنع المجد.